يواجه الكرملين أحد أكثر التحديات الجيوسياسية تعقيدًا منذ عقود، فبينما تتصاعد الدعوات الدولية لنشر “قوات حفظ سلام” أو “بعثات مراقبة متعددة الجنسيات” في مناطق التماس الملتهبة، تنظر موسكو إلى هذا الحراك بعين الريبة.
مفترق طرق
تاريخيًا، لم تكن موسكو يومًا من محبي “القبعات الزرقاء” أو أي تواجد عسكري أجنبي بمحاذاة “المدى الحيوي” لروسيا الاتحادية، في مطلع 2026، برزت مقترحات من “تحالف الراغبين” الذي يضم فرنسا وبريطانيا، بدعم من كييف، لنشر قوات دولية تضمن وقف إطلاق النار.
بالنسبة لصانع القرار في موسكو، فإن قبول هذه القوات يعني اعترافًا ضمنيًا بحدود جديدة قد لا ترغب روسيا في ترسيمها بشكل نهائي الآن.
وتعتبر المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن هذه التحركات هي “إعلانات عسكرية” تهدف لتثبيت وجود عسكري للناتو بوجوه مختلفة.
العقيدة الأمنية الروسية 2026
وتعتمد استراتيجية موسكو الحالية على مبدأ “الأمن غير المجزأ”، وترى أن وجود قوات أجنبية حتى تحت غطاء دولي يمثل خرقًا لخطوطها الحمراء لثلاثة أسباب رئيسية منها تقييد حرية الحركة العسكرية وأي قوات دولية ستعمل كحائط صد يمنع روسيا من القيام بعمليات استباقية إذا ما شعرت بتهديد أمني.
وتخشى موسكو أن تتحول هذه القوات إلى قاعدة استخباراتية ولوجستية متقدمة تابعة لحلف شمال الأطلسي، وترى روسيا أن نشر القوات قبل معالجة “الجذور العميقة” للأزمة (مثل حياد أوكرانيا ونزع السلاح) هو محاولة لإنقاذ ما تبقى من القدرات العسكرية للطرف الآخر.
كيف تدير موسكو الأزمة؟
لا تكتفي روسيا بالرفض الدبلوماسي، بل تستخدم ترسانة من الأدوات لإدارة هذا الوجود المحتمل،حيث تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن روسيا كثفت في أوائل 2026 من عملياتها “الهجينة” لزعزعة استقرار الدول التي تقود فكرة نشر القوات، من خلال الهجمات السيبرانية واستهداف البنية التحتية للطاقة في أوروبا، ترسل موسكو رسالة مفادها: “تكلفة التدخل ستكون باهظة”.
وقبل أن تصل أي قوات دولية إلى طاولة المفاوضات، تسعى القوات الروسية لتعزيز مكاسبها الميدانية، فالتحركات الأخيرة في محاور “دونتسك” و”خاركيف” تهدف إلى خلق واقع جغرافي يجعل من نشر القوات الدولية أمرًا مستحيلاً أو غير ذي جدوى عسكرية.
وتراهن موسكو على التحولات السياسية في الولايات المتحدة، فبينما يضغط الأوروبيون لنشر قوات، تأمل روسيا في إبرام “صفقة كبرى” مع واشنطن تتجاوز المقترحات الأوروبية، وتضمن لروسيا منطقة نفوذ خالية من التواجد العسكري الأجنبي المباشر.
الفخ الاستراتيجي
وترى مصادر، أن رفض موسكو للقوات الدولية قد يكون سلاحًا ذا حدين، فمن جهة، يحافظ على سيادتها الميدانية، ومن جهة أخرى، يغرقها في “حرب استنزاف” لا تنتهي.
حيث تنفق روسيا حاليًا ما يقارب 40% من ميزانيتها على الأمن والدفاع، وهو عبء هيكلي قد يؤدي لآثار اقتصادية وخيمة بحلول نهاية 2026 إذا لم يتم الوصول لتسوية، كما أن الإصرار على رفض “بعثات السلام” قد يُظهِر موسكو كطرف معرقل للاستقرار العالمي، مما يزيد من الضغوط الدبلوماسية حتى من شركائها في مجموعة “بريكس”.
سيناريوهات المستقبل
تتأرجح خيارات موسكو بين ثلاثة سيناريوهات منها رفض قاطع وتصعيد عسكري لمنع وصول أي جندي أجنبي، مما قد يؤدي لصدام مباشر مع الناتو، وقبول قوات من دول “محايدة” أو صديقة مثل الصين أو دول من آسيا الوسطى لقطع الطريق على القوات الغربية أوالسماح ببعثات مراقبة محدودة جدًا مقابل رفع العقوبات الاقتصادية، وهو الخيار الأكثر تعقيدًا.
وتدرك موسكو أن “القوات الأجنبية” ليست مجرد وحدات عسكرية، بل هي أدوات لترسيم نظام عالمي جديد، وإدارة هذه الأزمة تتطلب من الكرملين توازنًا دقيقًا بين “صلابة الميدان” و”مرونة الطاولة”. ففي لعبة الشطرنج الكبرى على حدود روسيا، الخطأ الواحد قد يعني الوقوع في فخ استراتيجي يمتد لأجيال.

