تعد الأزمة الليبية واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً في المنطقة العربية ودول حوض المتوسط. فمنذ سقوط النظام السابق في عام 2011، دخلت البلاد في دوامة من الانقسامات المؤسسية والنزاعات المسلحة.
ورغم المحاولات الدولية المتكررة للوصول إلى صناديق الاقتراع، إلا أن “لعبة كسر العظام” بين الأجسام السياسية المتصدرة للمشهد ما تزال تحول دون تحقيق حلم الليبيين في بناء دولة مستقرة.
المشهد الليبي
تعاني ليبيا من ازدواجية في السلطة التنفيذية والتشريعية، حيث يتنازع “مجلس النواب” في الشرق و”المجلس الأعلى للدولة” في الغرب على الصلاحيات والشرعية، هذا الانقسام لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى استراتيجية بقاء تتبعها النخب الحاكمة لتعطيل أي مسار يؤدي إلى انتخابات قد تنهي نفوذها.
أسباب الفشل المتكرر في التوافق
يمكن تلخيص معضلة الفشل في الوصول إلى توافق انتخابي في عدة نقاط جوهرية حيث تظل شروط الترشح للرئاسة هي العقدة الأكبر؛ فبينما يصر طرف على إقصاء العسكريين ومزدوجي الجنسية، يرى الطرف الآخر أن هذه الشروط وضعت خصيصًا لإقصاء شخصيات بعينها.
كما تخشى القوى السياسية من “الخسارة الشاملة”. في غياب دستور يحمي الأطراف المهزومة في الانتخابات، يرى الجميع أن تسليم السلطة هو انتحار سياسي و توفر حالة “اللا سلم واللا حرب” فرصة للنخب السياسية للسيطرة على موارد النفط والميزانيات الضخمة دون رقابة حقيقية، مما يجعل الاستقرار عبر الانتخابات خطرًا على مصالحهم المالية.
من يملك مفاتيح الحل؟
في الشهور الأخيرة، انتقل الصراع من التصريحات السياسية إلى “تكسير العظام” المؤسسي، من خلال التنافس على المؤسسات السيادية مثل المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.
دور التدخلات الخارجية
حيث لا يمكن قراءة الفشل الليبي بمعزل عن الأجندات الإقليمية والدولية. فليبيا أصبحت ساحة لتصفية الحسابات وتوازن القوى بين دول كبرى وأخرى إقليمية، هذا التدخل أدى إلى إمداد الأطراف المتنازعة بالدعم الذي يمنع انهيارها، ولكنه يمنع أيضًا انتصار طرف على آخر “حالة الجمود المفروض”.
السيناريوهات المتوقعة للمرحلة القادمة
وكشفت مصادر، أن سيناريو الاستمرار في الوضع الراهن هو الأرجح، حيث تستمر الأجسام الحالية في إدارة المشهد مع تغييرات طفيفة في الوجوه دون الوصول لانتخابات.
ووفق المصادر، فسيناريو الانفجار الشعبي نتيجة تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع التضخم، مما قد يضغط على النخب لتغيير قواعد اللعبة أما سيناريو المبادرة الدولية الحاسمة فهو فرض عقوبات دولية صارمة على “معرقلي الانتخابات” لتجبرهم على التوافق.
لماذا تفشل الوساطة الدولية؟
رغم تعيين العديد من المبعوثين الأمميين، إلا أن الاستراتيجية الدولية غالباً ما تركز على “إدارة الأزمة” بدلاً من “حلها”.
فالمجتمع الدولي يخشى من أن تؤدي الانتخابات غير المتفق عليها إلى عودة الحرب الأهلية، وهو ما يمنح الأطراف المحلية “حق الفيتو” غير المعلن لتعطيل أي مسار لا يخدم مصالحها.
هل من مخرج؟
إن الخروج من نفق “كسر العظام” يتطلب إرادة ليبية وطنية تتجاوز المصالح الحزبية والجهوية. الانتخابات في ليبيا ليست مجرد عملية فنية “صناديق وبطاقات اقتراع”، بل هي استحقاق يتطلب تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم وتوحيد المؤسسة العسكرية والاتفاق على توزيع عادل للثروة يطمئن كافة الأقاليم “برقة، فزان، وطرابلس”، بدون هذه الركائز، ستظل الانتخابات “سرابًا” يطارد الليبيين، وستستمر المؤسسات الحالية في إعادة تدوير نفسها تحت مسميات مختلفة.

