يعود شبح الإغلاق الحكومي ليخيّم مجددًا على العاصمة الأميركية، في مشهد بات يعكس أكثر من مجرد خلاف مالي عابر، بل أزمة سياسية عميقة تضرب قلب النظام التشريعي في الولايات المتحدة.
مع اقتراب الموعد النهائي لتمويل الحكومة الفيدرالية، تتصاعد حدة المواجهة بين الديمقراطيين والجمهوريين، وسط انقسام حاد حول قضايا تتجاوز بنود الموازنة إلى ملفات الأمن والهجرة وصلاحيات إنفاذ القانون.
التصعيد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات متكررة شهدتها واشنطن خلال السنوات الماضية، لكنه يأتي هذه المرة في سياق داخلي ودولي أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع الحسابات الحزبية مع ضغوط الشارع، وتراقب الأسواق العالمية المشهد بقلق مكتوم.
أزمة تمويل أم صدام سيادي
الخلاف الحالي لا يتمحور فقط حول أرقام الإنفاق، بل يرتبط مباشرة بوزارة الأمن الداخلي وسياسات الهجرة، بعد حوادث أثارت غضبًا واسعًا داخل الأوساط الديمقراطية.
وإصرار الجمهوريين على تمرير حزمة التمويل كاملة، مقابل مطالبة الديمقراطيين باستبعاد أو تعديل تمويل الأجهزة المعنية بإنفاذ قوانين الهجرة، وضع الكونغرس في مأزق سياسي حقيقي.
ومع حاجة المشروع إلى توافق عابر للحزبين داخل مجلس الشيوخ، تحوّل التمويل إلى ورقة ضغط متبادلة، في وقت دخل فيه مجلس النواب عطلة مسبقة زادت من تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سريعة قبل نفاد المهلة القانونية.
تداعيات مباشرة على مؤسسات الدولة
وفي حال فشل الكونغرس في إقرار التشريع، ستدخل قطاعات واسعة من الحكومة الفيدرالية في حالة شلل جزئي، ومئات الآلاف من الموظفين غير المصنفين كـ”أساسيين” سيجبرون على إجازات غير مدفوعة الأجر، بينما يواصل العاملون في قطاعات الأمن والمراقبة والخدمات الحساسة عملهم دون رواتب فورية.
هذا الوضع لا يقتصر تأثيره على الداخل الأميركي فقط، بل ينعكس على قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائف حيوية، مثل معالجة الملفات الضريبية، وإصدار التأشيرات، ومتابعة الخدمات الاجتماعية، ما يضيف عبئًا إداريًا واقتصاديًا في توقيت بالغ الحساسية.
الأسواق بين اللامبالاة والحذر
ورغم خطورة السيناريو، تبدو الأسواق المالية وكأنها تعاملت مع الإغلاق الحكومي بوصفه أزمة “معاد تسعيرها” مسبقًا، المستثمرون باتوا ينظرون إلى هذه المواجهات باعتبارها جزءًا من المشهد السياسي الأميركي المتكرر، مع قناعة راسخة بأن حلًا ما سيفرض نفسه في اللحظة الأخيرة.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من تداعيات ملموسة، حيث يتعرض الدولار الأميركي لضغوط متزايدة، وتواجه سندات الخزانة موجات بيع متقطعة، في ظل مخاوف من تآكل الثقة بالاستقرار المالي الأميركي، خاصة مع استمرار تضخم الدين العام واقترابه من مستويات غير مسبوقة.
سياسة حافة الهاوية
ويؤكد مراقبون، أن تكرار الإغلاقات الحكومية يعكس خللًا بنيويًا في آلية صنع القرار داخل واشنطن، حيث باتت سياسة “حافة الهاوية” أداة تفاوضية معتادة، هذه الاستراتيجية، وإن كانت تنتهي غالبًا بحلول مؤقتة، تترك أثرًا تراكميًا على ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين.
كل جولة تعطيل، حتى وإن كانت قصيرة، تحمل كلفة اقتصادية وسياسية، وتزيد من الشكوك حول قدرة النظام السياسي الأميركي على إدارة خلافاته دون اللجوء إلى شل مؤسسات الدولة.
والسيناريو الأقرب، وفق التقديرات، يتمثل في إغلاق جزئي قصير الأمد يستخدم كورقة ضغط قبل التوصل إلى اتفاق مرحلي يعيد فتح الحكومة، غير أن هذا الحل لا يعالج جذور الأزمة، بل يؤجلها إلى مواجهة جديدة في وقت لاحق.

