في خطوة تعكس تحولًا لافتًا في مقاربة واشنطن لملف غزة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه لتشكيل حكومة فلسطينية من التكنوقراط لإدارة القطاع خلال مرحلة انتقالية، بالتوازي مع انطلاق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، الذي لا يزال هشًا رغم دخوله حيز التنفيذ منذ أكتوبر الماضي، الإعلان الأمريكي يأتي في لحظة سياسية وأمنية معقدة، حيث تتشابك حسابات التهدئة مع أسئلة ما بعد الحرب.
رهان أمريكي على إدارة بلا فصائل
دعم ترامب لما وصفه بـ”حكومة التكنوقراط الفلسطينية المُشكلة حديثًا” يعكس توجهًا أمريكيًا واضحًا لفصل الإدارة المدنية لغزة عن الفصائل المسلحة، في محاولة لخلق نموذج حكم مؤقت يركز على الخدمات وإعادة الاستقرار، بعيدًا عن الصراعات الأيديولوجية.
ووفق هذا التصور، تتولى لجنة وطنية فلسطينية إدارة شؤون القطاع بدعم دولي، ضمن ترتيبات انتقالية تهدف إلى ملء الفراغ السياسي والأمني الذي خلفته الحرب.
الرهان الأمريكي لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى قناعة بأن أي مسار لإعادة إعمار غزة أو تثبيت الهدنة لن يكتب له النجاح في ظل استمرار سيطرة الفصائل المسلحة على مفاصل الحكم، وهو ما يجعل خيار التكنوقراط أقل كلفة سياسية وأكثر قابلية للتسويق دوليًا.
مجلس سلام دولي بوجه أمريكي
إلى جانب دعم الحكومة الانتقالية، كشف ترامب عن تشكيل ما يسمى بـ”مجلس السلام”، وهو إطار دولي يفترض أن يشرف على إدارة المرحلة الانتقالية في غزة.
ورغم أن تفاصيل هذا المجلس لم تعلن بعد، إلا أن ترؤس ترامب له يضفي على المبادرة طابعًا أمريكيًا مباشرًا، ويمنح واشنطن موقع القيادة في صياغة مستقبل القطاع.
الترتيب يثير في المقابل تساؤلات حول طبيعة الدور الدولي وحدوده، وما إذا كان المجلس سيعمل كآلية دعم فني وسياسي، أم كسلطة وصاية غير معلنة، خصوصًا في ظل غياب رؤية واضحة بشأن دور الفلسطينيين أنفسهم في اتخاذ القرار.
هدنة هشة واختبار الثقة
الإعلان الأمريكي جاء بينما لا تزال الهدنة في غزة تواجه تحديات ميدانية وإنسانية كبيرة، فالاتهامات المتبادلة بين إسرائيل وحركة حماس بخرق وقف إطلاق النار لم تتوقف، كما أن ملف المعابر، ونزع السلاح، والانسحابات الإسرائيلية، لا يزال معلقًا، ما يجعل المرحلة الثانية من الاتفاق اختبارًا حقيقيًا لإرادة الأطراف وقدرة الوسطاء.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع استمرار الخلاف حول سلاح حماس، الذي يشكل العقدة الأساسية أمام أي ترتيب سياسي مستدام، فواشنطن ترى أن نجاح نموذج التكنوقراط مرهون باتفاق شامل لنزع السلاح، بينما تعتبر الحركة هذا الشرط مساسًا بجوهر وجودها.
في هذا السياق، تبرز أدوار مصر وقطر وتركيا كأطراف مساعدة في إدارة المرحلة المقبلة، سواء عبر دعم الحكومة الانتقالية أو عبر المساهمة في بلورة ترتيبات أمنية وسياسية أوسع.
وهذا الانخراط الإقليمي يعكس إدراكًا بأن استقرار غزة لا يمكن فصله عن محيطها، وأن أي حل مفروض من الخارج دون غطاء إقليمي سيظل هشًا.

