تُعد حرب المعلومات ركيزة أساسية في العقيدة العسكرية الروسية، حيث لا يبدأ التحرك الميداني إلا بعد تمهيد دعائي مكثف يهدف إلى صياغة واقع موازٍ يبرر التدخل العسكري.
وفي تحليل مقارن بين عامي 2008 و2026، نجد أن البروباغندا الروسية اعتمدت في الحالتين الجورجية والأوكرانية على سردية “حماية الأقليات المهددة بالانقراض”.
ففي أزمة جورجيا، ركزت وسائل الإعلام التابعة للكرملين على أن الحكومة في تبليسي ترتكب “إبادة جماعية” ضد السكان في أوسيتيا الجنوبية، وهو المصطلح ذاته الذي أُعيد تدويره بدقة متناهية لوصف الوضع في إقليم دونباس شرق أوكرانيا.
وقالت مصادر: إن هذا التشابه ليس مجرد صدفة، بل هو استراتيجية تهدف إلى إضفاء صبغة “إنسانية” على العمليات العسكرية، ومحاولة إرباك الرأي العام الدولي عبر قلب الحقائق وتصوير الدولة المعتدِي عليها ككيان فاشي يهدد حياة المدنيين، مما يمنح موسكو “الشرعية الأخلاقية” للتدخل تحت مسمى “إرغام العدو على السلام”.
مصطلح “النازية الجديدة”
من أبرز القواسم المشتركة في بروباغندا الأزمتين هو استخدام “فوبيا النازية” كأداة لشيطنة الخصم. فكما تم تصوير الرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي في عام 2008 كزعيم قومي متطرف مدعوم من الغرب لتدمير الهوية الروسية، تم تصعيد هذا الخطاب في الأزمة الأوكرانية ليصل إلى ذروته بوصف القيادة في كييف بـ “النازيين الجدد”.
تدرك الماكينة الإعلامية الروسية أن استحضار ذاكرة “الحرب الوطنية العظمى” ضد النازية يلامس وترًا حساسًا لدى المواطن الروسي، مما يضمن تأييداً داخلياً واسعاً للحرب.
إن التشابه في استخدام هذه الرموز التاريخية يثبت أن الكرملين لا يسعى فقط لتحقيق مكاسب أرضية، بل يخوض “حربًا وجودية ثقافية” يتم فيها تصوير أي محاولة للتحرر من النفوذ الروسي كفعل عدائي ضد التاريخ والكرامة الروسية، وهو ما يجعل من “تغيير الأنظمة” في دول الجوار هدفًا مشروعًا في نظر المستهلك المحلي للبروباغندا.
أدوات التضليل وتطور الوسائل
بينما كانت البروباغندا الروسية في عام 2008 تعتمد بشكل أساسي على القنوات التلفزيونية الرسمية ووكالات الأنباء الموجهة للداخل، شهدت الأزمة الأوكرانية في عام 2026 تحولاً جذريًا نحو استخدام الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي. لقد انتقلت موسكو من مرحلة “بث الخبر الواحد” إلى مرحلة “إغراق الفضاء بالمعلومات المتضاربة”.
ففي الأزمة الجورجية، كان الهدف هو إقناع العالم برواية واحدة، أما في أوكرانيا، فإن الهدف هو تدمير فكرة “الحقيقة المطلقة” عبر نشر آلاف القصص المفبركة والسيناريوهات البديلة باستخدام اللجان الإلكترونية والوسائط العميقة.
هذا التطور التكنولوجي سمح للبروباغندا الروسية بالتغلغل داخل المجتمعات الغربية نفسها، وتحويل النقاش من “العدوان الروسي” إلى “جدل حول دور الناتو”، وهو ما يعكس نجاحًا استراتيجيًا في نقل المعركة الإعلامية إلى أرض الخصم، وتكرار نموذج “زعزعة الاستقرار المعرفي” الذي تم اختباره بنجاح محدود في جورجيا قبل عقود.
كيف يتم تصوير الدفاع عن النفس كفعل استفزازي؟
تتشابه البروباغندا الروسية في الأزمتين في تصوير روسيا كضحية لـ “التوسع الغربي الغادر” ففي عام 2008، كانت الحجة أن قمة بوخارست للناتو أعطت ضوءًا أخضر لجورجيا لاستفزاز روسيا، وفي عام 2026، يتم تكرار نفس السردية بأن أوكرانيا ليست سوى “رأس حربة” لمشروع غربي يهدف لتفكيك روسيا.
هذا الخطاب يهدف إلى نزع صفة “الاستقلالية” عن قرارات الدول المجاورة؛ ففي المنظور الدعائي الروسي، لا تمتلك جورجيا أو أوكرانيا إرادة حرة، بل هما “دمى” في يد واشنطن، هذا التصور يساعد الكرملين في تبرير انتهاك سيادة هذه الدول، بحجة أنها “منزوعة السيادة” فعلياً لصالح قوى معادية.
إن تكرار هذه السردية يهدف إلى إقناع المجتمع الدولي بأن التدخل الروسي هو فعل “دفاعي استباقي” لا مفر منه، وهو ما يشكل جوهر حرب المعلومات التي تسعى لتحويل الحرب العدوانية إلى ضرورة أمنية قومية لا تقبل الجدل.

