تُلقب مدينة طرابلس بـ “عروس الثورة”، ولم يكن هذا اللقب مجرد شعار عاطفي، بل كان انعكاسًا لدورها المركزي في صياغة المشهد السياسي اللبناني منذ اندلاع احتجاجات 17 تشرين، من ساحة النور، انطلقت شرارة لم تهدأ، تحولت من صرخات جوع وبحث عن “رغيف الخبز” إلى مطالب سياسية جذرية تنادي برحيل المنظومة الحاكمة بالكامل.
الجذور السوسيو-اقتصادية.. لماذا طرابلس أولاً؟
لا يمكن فهم انتفاضة طرابلس دون النظر إلى الأرقام الصادمة، فبالرغم من أنها المدينة الثانية في لبنان، إلا أنها تُصنف كواحدة من أفقر المدن على ساحل البحر المتوسط.
حيث أنه قبل الأزمة، كانت نسبة الفقر في طرابلس تتجاوز 60%، ومع الانهيار المالي، قفزت الأرقام لتشمل فئات كانت تُصنف ضمن الطبقة الوسطى و يعاني شباب المدينة من انعدام الفرص، مما جعل “شعار الخبز” محركًا أوليًا للتظاهر وشعور أبناء الشمال بأن مدينتهم سقطت من حسابات الإنماء الرسمي لصالح العاصمة أو مناطق أخرى، ولد حالة من الغضب الكامن الذي انفجر في الساحات.
التحول من “المطلبي” إلى “السياسي“
في الأيام الأولى، كانت الهتافات تدور حول الغلاء، الأقساط المدرسية، وفقدان الأدوية. لكن سرعان ما حدث تحول نوعي في الخطاب. أدرك المتظاهرون أن “أزمة الخبز” ليست قدراً، بل هي نتيجة لسياسات المحاصصة والفساد.
وضمن المسار التصاعدي للمطالب المطالبة بتأمين السلع الأساسية ووقف الانهيار المعيشي واستهداف المصارف ورفض السياسات المالية لمصرف لبنان ورفع شعار “كلن يعني كلن”، وهو التحول الأهم الذي كسر المحرمات السياسية والمذهبية في المدينة وتحولت ساحة النور من مجرد عقدة مرورية إلى “برلمان شعبي”.
حيث تميزت طرابلس بقدرة تنظيمية مذهلة تجلت في إنشاء مطابخ ميدانية لتوزيع الطعام على الفقراء والمتظاهرين و حلقات نقاشية يومية تناولت الدستور، الاقتصاد، وقوانين الا واستطاعت طرابلس تحطيم الصورة النمطية التي حاول البعض إلصاقها بها (كبيئة متطرفة)، وقدمت نموذجاً في الرقي، والموسيقى، والوحدة الوطنية.
كسر التبعية للزعامات التقليدية
ولطالما عُرفت طرابلس بكونها معقلاً لزعامات سياسية ومالية تقليدية إلا أن الانتفاضة أحدثت شرخًا كبيرًا في هذه العلاقة “الزبائنية” وكانت طرابلس سباقة في التعبير عن رفضها للتمثيل التقليدي عبر التظاهر أمام منازل السياسيين ومكاتبهم، محملة إياهم مسؤولية الانهيار.
مواجهة القمع وتصاعد التوتر
لم يكن المسار التصاعدي للانتفاضة مفروشًا بالورود، حيث شهدت المدينة مواجهات عنيفة مع القوى الأمنية، وسقط شهداء وجرحى “أبرزهم الشهيد فواز السمان”، هذا العنف لم يؤدِ إلى تراجع المتظاهرين، بل زاد من حدة النقمة وحول المطالب من “إصلاحية” إلى “ثورية” تنادي بإسقاط النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية.
إن مسار انتفاضة طرابلس أثبت أن المدينة ليست مجرد رقم في المعادلات الانتخابية، بل هي قلب لبنان النابض بالتغيير، من رغيف الخبز بدأت الحكاية، لكنها لن تنتهي إلا بإعادة بناء دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.
طرابلس اليوم هي مرآة للأزمة اللبنانية، وصمود ساحاتها هو المؤشر الحقيقي على قدرة الشعب اللبناني على الاستمرار في معركة استرداد الدولة.

