ذات صلة

جمع

مواجهة التغلغل الأيديولوجي.. كيف يوازن البرلمان الأوروبي بين الأمن والحريات؟

في خطوة تاريخية حاسمة تعكس تحولًا استراتيجيًا جذريًا في...

طاعون جستنيان وأثينا وأنطونين.. كيف غيّرت الأوبئة مسار التاريخ؟

لماذا ظل الطاعون واحدًا من أكثر الأمراض إثارة للخوف...

تونس في مواجهة إرث النهضة.. هل تنجح الدولة في استعادة الثقة ومحاسبة المتورطين؟

في لحظة فارقة من تاريخ الدولة التونسية الحديث وتحدياتها...

من ضهر البيدر إلى الحدود.. هل تنجح الدولة اللبنانية في تفكيك شبكات تهريب السلاح؟

في واقعه خطيرة وثقتها الأجهزة القضائية والأمنية اللبنانية وتابعتها...

طاعون جستنيان وأثينا وأنطونين.. كيف غيّرت الأوبئة مسار التاريخ؟

لماذا ظل الطاعون واحدًا من أكثر الأمراض إثارة للخوف عبر التاريخ، وكيف تحولت أوبئته إلى أحداث غيّرت مسار مدن وإمبراطوريات كاملة؟ عاد هذا السؤال إلى الواجهة في أكتوبر 2026، بعد وفاة باحثة شابة تعمل في معهد متخصص بأبحاث الطاعون في مدينة إيركوتسك بسيبيريا، وما تبع ذلك من إجراءات احترازية شملت مراقبة نحو 200 شخص، وسط انتشار تقارير متضاربة بشأن سبب الوفاة واحتمال ارتباطها بالمرض.

لكن ما أعلنته السلطات الروسية يختلف عن بعض الروايات المتداولة؛ إذ قالت: إن الباحثة داريا شيبيلوفا، البالغة 28 عامًا، توفيت نتيجة التهاب رئوي مجهول السبب، ونفت رصد إصابات مؤكدة بالطاعون بين الأشخاص الذين خضعوا للفحص.

ووفق تقرير لوكالة “رويترز” نُشر في 6 أكتوبر 2026، أُجريت آلاف الفحوصات، ولم تُسجل إصابات بالطاعون بين المخالطين الذين شملتهم الإجراءات الاحترازية. لذلك، فإن الواقعة أثارت تساؤلات صحية وأمنية، لكنها لا تعني، وفق المعلومات المعلنة، ثبوت تفشٍ جديد للمرض.

وتكتسب الواقعة أهمية إضافية بسبب التاريخ الطويل للطاعون، الذي ارتبط بأوبئة كبرى ضربت مجتمعات قديمة، من أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد إلى الإمبراطورية البيزنطية في القرن السادس الميلادي.

وبينما ساعد التقدم العلمي على تحديد البكتيريا المسببة للمرض وتطوير علاجات فعالة، ما تزال دراسة الأوبئة التاريخية تواجه تحديًا أساسيًا: التمييز بين ما تثبته الأدلة العلمية وما ترويه المصادر القديمة أو ترجحه الدراسات الحديثة.

مصر القديمة وعهد إخناتون.. هل كان المرض طاعونًا؟

تربط بعض الروايات التاريخية الحديثة بين عهد الملك إخناتون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد وانتشار مرض يُعتقد أنه تسبب في وفاة عدد من أفراد الأسرة الملكية، مع طرح فرضيات عن احتمال وفاة بعض الشخصيات البارزة، ومن بينها الملكة نفرتيتي، خلال تلك الفترة. غير أن تحديد طبيعة المرض الذي أصاب مصر القديمة يظل مسألة غير محسومة، ولا تتوافر أدلة قاطعة تثبت أن تلك الوفيات كانت نتيجة الإصابة بالطاعون الذي نعرفه اليوم.

وتوضح هذه الحالة صعوبة تشخيص الأمراض القديمة بالاعتماد على الروايات التاريخية وحدها؛ إذ لم تكن هناك مختبرات أو وسائل تحليل جيني تسمح بتحديد مسببات العدوى بدقة. ولهذا، فإن الربط بين وفاة شخصيات تاريخية بعينها والطاعون يجب أن يظل في إطار الفرضيات التي تحتاج إلى أدلة إضافية، لا أن يُقدَّم باعتباره حقيقة طبية مؤكدة.

طاعون أثينا.. وباء ضرب المدينة خلال الحرب

في عام 430 قبل الميلاد، اجتاح وباء شديد مدينة أثينا أثناء الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة، وأدى إلى خسائر بشرية كبيرة في مجتمع كان يعاني بالفعل من ضغوط الحرب وتكدس السكان.

ووثق المؤرخ اليوناني ثوسيديديس تفاصيل المرض وأعراضه، مقدمًا شهادة تاريخية مهمة عن تأثير الأوبئة في الحياة اليومية والاستقرار الاجتماعي.

ورغم أهمية هذه الشهادة، فإن هوية العامل الممرض المسؤول عن وباء أثينا ما تزال موضع نقاش علمي.

فقد طرحت دراسات احتمالات متعددة، من بينها أمراض معدية مختلفة، ولم يصل الباحثون إلى إجماع نهائي يثبت أن الوباء كان ناجمًا عن بكتيريا الطاعون.

وفي مراجعة علمية نُشرت عام 2025 في دورية Clinical Microbiology and Infection، أعاد باحثون فحص وصف ثوسيديديس للأعراض، وأكدوا أن السبب المحدد للوباء ما يزال غير محسوم، رغم مناقشة احتمال ارتباطه بسلالة قديمة من بكتيريا الطاعون.

طاعون أنطونين وسيبريان.. أزمات ضربت الإمبراطورية الرومانية

بين عامي 165 و180 ميلادية، انتشر وباء عُرف باسم طاعون أنطونين في مناطق واسعة من الإمبراطورية الرومانية، خلال حكم الإمبراطورين ماركوس أوريليوس ولوسيوس فيروس.

وتزامن انتشار المرض مع تحركات عسكرية وعودة جنود من مناطق بعيدة، فيما تشير الروايات التاريخية إلى أنه تسبب في خسائر بشرية وضغوط على مؤسسات الدولة والجيش والاقتصاد.

ومع ذلك، لا يوجد اتفاق علمي قاطع على طبيعة هذا الوباء؛ إذ يرجح بعض الباحثين أنه ربما كان الجدري، بينما تظل احتمالات أخرى مطروحة. وبعد ذلك بقرابة قرن، شهدت الإمبراطورية وباءً آخر عُرف باسم طاعون سيبريان، نسبة إلى أسقف قرطاج الذي وصف آثاره في كتاباته.

وتحدثت المصادر القديمة عن وفيات واسعة النطاق، لكن هوية المرض ما تزال غير مؤكدة، ولا يكفي استخدام كلمة «الطاعون» في النصوص القديمة لإثبات أن السبب كان بكتيريا Yersinia pestis.

وتكشف هذه الأوبئة عن العلاقة المعقدة بين المرض والأزمات السياسية والعسكرية؛ فالعدوى قد تزيد الضغوط على المدن والجيوش والموارد، لكن تفسير التحولات التاريخية الكبرى يتطلب أيضًا دراسة الحروب والأوضاع الاقتصادية والإدارة العامة، لا إرجاعها إلى وباء واحد.

طاعون جستنيان.. أولى الجوائح التي أكدها التحليل الجيني

في عام 541 ميلادية، ظهر وباء واسع النطاق خلال حكم الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، وانتشر في القسطنطينية ومناطق أخرى من الإمبراطورية، ثم عاد في موجات متكررة خلال العقود التالية.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن المرض تسبب في وفيات كبيرة وأثر في النشاط التجاري وقدرة الدولة على إدارة شؤونها، بالتزامن مع حروب ومشروعات عسكرية وسياسية واسعة.

وتختلف هذه المرحلة عن بعض الأوبئة الأقدم، لأن الأدلة العلمية الحديثة قدمت دعمًا مباشرًا لتحديد العامل المسبب لها ففي دراسة منشورة بدورية The Lancet Infectious Diseases في أبريل 2014، حلل الباحثون الحمض النووي المستخرج من بقايا بشرية تعود إلى فترة الجائحة، وتوصلوا إلى أدلة تؤكد وجود بكتيريا Yersinia pestis، المسببة للطاعون، خلال تلك الحقبة.

وأوضحت الدراسة، أن السلالة المرتبطة بطاعون جستنيان تمثل فرعًا جينيًا متميزًا عن السلالات المرتبطة بأوبئة لاحقة.

وتؤكد هذه النتيجة أهمية الجمع بين التاريخ وعلم الآثار والتحليل الجيني، بدلًا من الاعتماد على الأوصاف القديمة وحدها.

كما توضح أن تأثير الأوبئة في الإمبراطوريات لا يمكن قياسه بأعداد الوفيات فقط، بل يجب النظر إلى انعكاساتها على التجارة والجيش والإدارة والقدرة على مواجهة الأزمات المتزامنة.

وفاة الباحثة الروسية وإجراءات مراقبة المخالطين

عادت المخاوف المرتبطة بالطاعون إلى الواجهة بعد وفاة الباحثة داريا شيبيلوفا في 2 أكتوبر 2026، عقب إصابتها بمرض وُصف رسميًا بأنه التهاب رئوي مجهول السبب.

وأثارت الواقعة اهتمامًا دوليًا بسبب عملها في معهد أبحاث متخصص بالطاعون في إيركوتسك، وما تبعها من إجراءات احترازية شملت مراقبة نحو 200 شخص ممن خالطوها أو ارتبطوا بالواقعة.

ووفقًا لوكالة أسوشيتد برس في تقرير نشرته خلال أكتوبر 2026، أكدت السلطات الصحية الروسية عدم وجود دليل معلن يربط وفاة الباحثة بإصابة بالطاعون أو بحادث داخل المختبر، بينما خضع المخالطون للفحوصات والمراقبة الطبية.

كما نفت السلطات تقارير تحدثت عن حالة ثانية مؤكدة.

وتبقى ضرورة الفصل بين المعلومات الرسمية والفرضيات المتداولة أمرًا أساسيًا عند تناول الواقعة، خصوصًا في ظل عدم إعلان تشخيص نهائي يؤكد الإصابة بالطاعون.

ولا يعني اتخاذ إجراءات الحجر أو المراقبة بالضرورة وجود تفشٍ للمرض؛ فهذه الإجراءات تُستخدم في الصحة العامة لتقليل المخاطر المحتملة إلى حين اتضاح أسباب الحالة وتقييم المخالطين.

وتظل الشفافية في نشر نتائج الفحوصات والتحديثات الرسمية عاملًا مهمًا في منع انتشار الشائعات وطمأنة الجمهور.

ما الطاعون؟ وكيف ينتقل بين البشر؟

بحسب صحيفة الحقائق الصادرة عن منظمة الصحة العالمية في 29 سبتمبر 2026، فإن الطاعون مرض معدٍ تسببه بكتيريا Yersinia pestis، التي توجد عادة لدى بعض الثدييات الصغيرة والبراغيث التي تعيش عليها.

ويمكن أن تنتقل العدوى إلى الإنسان عبر لدغات البراغيث المصابة، أو الملامسة المباشرة للأنسجة والسوائل الملوثة، أو استنشاق الجسيمات التنفسية في حالات الطاعون الرئوي.

وتوجد ثلاثة أشكال رئيسية للمرض: الطاعون الدبلي، الذي يتميز غالبًا بارتفاع الحرارة وتضخم مؤلم في العقد الليمفاوية؛ والطاعون الإنتاني، الذي ينتشر فيه الميكروب عبر مجرى الدم؛ والطاعون الرئوي، الذي يصيب الرئتين وقد ينتقل بين البشر عبر الجسيمات التنفسية.

وتختلف الأعراض وطرق انتقال العدوى باختلاف الشكل المرضي، وهو ما يجعل التشخيص السريع أمرًا بالغ الأهمية.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية، أن الطاعون مرض خطير، لكنه قابل للعلاج بالمضادات الحيوية عند اكتشافه مبكرًا وبدء العلاج المناسب دون تأخير.

وفي المقابل، قد ترتفع احتمالات الوفاة بصورة كبيرة إذا تُرك المرض دون علاج، خاصة في الأشكال الرئوية والإنتانية. لذلك، فإن التعامل مع الاشتباه الطبي يستلزم تقييمًا متخصصًا وإجراءات صحية مناسبة، لا الاعتماد على الأعراض وحدها أو على منشورات غير موثقة.

هل يمكن أن يعود الطاعون إلى شكل الجوائح التاريخية؟

رغم ارتباط الطاعون بأشد الأوبئة فتكًا في التاريخ، فإن اكتشاف البكتيريا المسببة له وتطور وسائل التشخيص والعلاج غيّرا طبيعة التعامل معه.

وما تزال إصابات بشرية تسجل في بعض مناطق العالم، إلا أن وجود المرض في الطبيعة لا يعني بالضرورة تحوله إلى جائحة واسعة النطاق.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن معظم الحالات البشرية المبلغ عنها خلال الفترة من 2019 إلى 2025 تركزت في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر ويؤكد ذلك أهمية أنظمة الترصد الوبائي والتشخيص المبكر ومراقبة انتقال العدوى، خصوصًا في المناطق التي ما يزال المرض متوطنًا فيها.

وتبقى واقعة سيبيريا مثالًا على ضرورة التمييز بين الاشتباه والنتيجة المؤكدة: فوفاة باحثة تعمل في مجال أبحاث الطاعون تستدعي التحقيق والفحص، لكنها لا تثبت وحدها وقوع إصابة بالمرض أو حدوث تفشٍ.

وبينما يستمر العلماء في دراسة الأوبئة القديمة لفهم أثرها في الحضارات، تظل المعلومات الطبية الموثقة والشفافية الرسمية حجر الأساس في التعامل مع أي مخاوف صحية معاصرة.