ذات صلة

جمع

اقتصاد “الحواف الحادة”.. كيف يواجه السوريون طفرة الغلاء وتآكل الدخل؟

يعيش المواطن السوري داخل ما يمكن تسميته باقتصاد "الحواف...

الدم العراقي بفتوى إيرانية.. لماذا ترفض طهران قيام دولة عراقية قوية ومستقرة؟

يمثل العراق في العقلية الاستراتيجية الإيرانية أكثر من مجرد...

شركاء الجريمة.. لماذا قرر قائد الجيش السوداني التخلص من “ظله” الإسلامي؟

يقف السودان أمام تحول مفصلي وتاريخي في بنية السلطة...

من “نور العلم” إلى “ظلام الكهف”.. كيف تمسح المليشيا الحوثية الهوية اليمنية من عقول الأجيال؟

تواجه الهوية الوطنية باليمن واحدة من أعقد وأخطر عمليات “التجريف الثقافي” في تاريخ المنطقة العربية، حيث ذهبت المليشيا الحوثية نحو استهداف العقل اليمني من جذوره عبر “عسكرة التعليم” وتحويل المدارس من دور للعلم والمعرفة إلى معامل لإنتاج المقاتلين العقائديين.

إن الانتقال من “نور العلم” القائم على المواطنة والجمهورية إلى “ظلام الكهف” القائم على الولاءات الطائفية والعرقية، يمثل جوهر الاستراتيجية الحوثية لاختطاف الأجيال الناشئة.

وتشير القراءات التحليلية للمناهج الدراسية المعدلة مؤخرًا إلى وجود نية مبيتة لمسح الذاكرة الجمعية لليمنيين، واستبدال رموز الثورة والجمهورية برموز طائفية تقدس “الحق الإلهي” وتكرس مبدأ التبعية المطلقة لـ “الولي الفقيه”، مما يضع مستقبل اليمن في مواجهة قنبلة موقوتة قوامها جيل كامل تم تغذيته بخطاب الكراهية والموت، بعيدًا عن قيم التسامح والتعايش التي عرف بها المجتمع اليمني عبر العصور.

تفكيك المناهج الملغمة.. تزوير التاريخ واستبدال الرموز الوطنية

لم تكن التعديلات التي أدخلتها المليشيا الحوثية على المناهج التعليمية مجرد تغييرات طفيفة، بل هي “عملية جراحية” هدفت إلى بتر الانتماء العروبي والوطني للطالب اليمني، ففي مواد التاريخ والتربية الإسلامية واللغة العربية، تم شطب البطولات الجمهورية التي أطاحت بحكم الإمامة الكهنوتي، واستُبدلت بمفاهيم “الجهاد” و”الولاية” وفق المنظور الحوثي الضيق، والهدف من ذلك هو خلق فجوة معرفية لدى الطالب تجعله يرى في تاريخ بلاده الحديث مجرد “ضلال”.

وفي فكر المليشيا “الهداية الوحيدة”، إن هذا التزوير الممنهج للتاريخ والجغرافيا، وربط الجغرافيا اليمنية بالمحور الإيراني، يسعى إلى فصل اليمن عن محيطه العربي، وتحويله إلى بؤرة لتصدير الفكر المتطرف.

وتكشف التحليلات، أن المليشيا تركز بشكل مكثف على الصفوف الأولى من التعليم الأساسي، حيث تكون عقول الأطفال مرنة وقابلة للاستيعاب والتشكيل، مما يجعل استرداد هؤلاء الأطفال مستقبلاً مهمة شاقة تتطلب عقودًا من التوعية والإرشاد المعاكس.

المراكز الصيفية والمدارس.. من محاضن تربوية إلى معسكرات تجنيد

تعد المدارس والمراكز الصيفية الحوثية في عام 2026 الذراع الأهم لعملية التعبئة العسكرية المباشرة، حيث يتم استدراج الأطفال تحت غطاء الأنشطة الترفيهية والتعليمية ليجدوا أنفسهم في دوائر مغلقة من التلقين الأيديولوجي والتدريب العسكري، ويت هههه ههههم استخدام الفقر المدقع الذي يعيشه اليمنيون كأداة ضغط؛ حيث تمنح المليشيا سلالاً غذائية للعائلات مقابل إرسال أطفالهم لهذه المراكز، وما يحدث بداخلها يتجاوز حدود التعليم إلى “غسل الأدمغة” الكامل.

حيث يتم غرس ثقافة “الشهادة” وتفضيل الموت في سبيل “السيد” على الحياة والتعليم وبناء المستقبل، إن تحويل الفصل الدراسي إلى ثكنة عسكرية، والمعلم إلى “مشرف ثقافي”، قد أدى إلى تدمير العملية التربوية برمتها، حيث يفر الطلاب الموهوبون من المدارس خوفًا من الاختطاف إلى الجبهات، بينما يسقط الآخرون في فخ “الصرخة” التي تملأ جدران المدارس بدلاً من الخرائط العلمية ومعادلات الحساب، مما يجعل من المدرسة مكانًا طاردًا للعلم وجاذبًا للموت.

المعلم اليمني ومواجهة التجويع.. الترهيب كأداة لفرض الأدلجة

وقالت مصادر: إنه لا يمكن الحديث عن تدمير التعليم دون التطرق لمأساة المعلم اليمني الذي يعيش بلا راتب منذ سنوات طويلة، وهي سياسة حوثية متعمدة لتركيع الكادر التربوي وإرغامه على قبول “الدورات الثقافية” مقابل فتات العيش، فالمليشيا تدرك أن المعلم هو حائط الصد الأخير أمام التجهيل، لذا عملت على استبدال آلاف المعلمين الوطنيين بعناصر موالية لها لا تمتلك أي مؤهلات تربوية سوى الولاء المطلق للمشروع الحوثي.

وأكدت المصادر، أن هذا الترهيب الوظيفي والاقتصادي حوّل المدارس إلى ساحات للمراقبة الأمنية، حيث يتم معاقبة أي معلم يرفض تدريس المناهج الطائفية أو يمتنع عن حشد الطلاب للمناسبات المليشياوية، وهذا الوضع أدى إلى انهيار جودة التعليم وتفشي الجهل في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وهو ما يخدم أهداف المليشيا في نهاية المطاف؛ فكلما زاد الجهل، سهل الانقياد والسيطرة على عقول الشباب وتوجيههم نحو المحارق العبثية في الجبهات المشتعلة.

مستقبل اليمن في مهب الريح وتحديات استعادة الوعي الوطني

إن الجريمة الحوثية بحق التعليم في اليمن ليست مجرد شأن داخلي، بل هي تهديد وجودي للأمن القومي العربي والسلم الدولي، فصناعة جيل مشبع بالكراهية والعداء للمحيط العربي والعالم يمهد الطريق لنزاعات لا تنتهي، وفي عام 2026، باتت الحاجة ملحة لتحرك دولي وحقوقي واسع لتصنيف تجريف المناهج وتجنيد أطفال المدارس كجرائم حرب ضد الإنسانية وإن استعادة “نور العلم” تتطلب أولاً كسر قيود “ظلام الكهف” وتحرير المؤسسة التعليمية من قبضة المليشيا، وإعادة الاعتبار للمناهج الوطنية التي تعزز قيم المواطنة المتساوية والجمهورية، وإذا لم يتم تدارك هذا الوضع بشكل عاجل، فإن اليمن سيواجه أزمة هوية حادة لسنوات طويلة، حيث سيجد المجتمع نفسه أمام انقسام فكري واجتماعي عميق بين جيل تربى على قيم الدولة، وجيل آخر تم غسل دماغه بشعارات الموت والتبعية الأيديولوجية، مما يجعل معركة الوعي هي المعركة الأهم والمصيرية في تاريخ اليمن الحديث.