تشهد المرتفعات الغربية في تونس لعام 2026 تحولاً جيوسياسيًا وأمنيًا مقلقًا، حيث تشير التقارير الاستخباراتية إلى محاولات مستمرة من قبل التنظيمات الإرهابية الدولية لتحويل هذه الجغرافيا الوعرة إلى محطة “ترانزيت” رئيسية للمقاتلين العائدين من بؤر التوتر السابقة في الشرق الأوسط ومنطقة الساحل الأفريقي.
وتستفيد هذه المجموعات من التضاريس القاسية لجبال الشعانبي، والسلوم، وسمامة، التي توفر ملاذات طبيعية يصعب اختراقها بالكامل، لتكون نقطة تجميع وإعادة انتشار نحو دول المغرب العربي أو التسلل مجدداً نحو العمق الأفريقي.
إن هذا التحول لا يمثل تهديدًا محليًا لتونس فحسب، بل يشكل تحديًا أمنيًا إقليميًا يستدعي يقظة مستمرة، خاصة مع رصد تحركات لعناصر “عائدة” تمتلك خبرات قتالية عالية وتقنيات متطورة في التمويه والتواصل الرقمي المشفر، مما يجعل من المرتفعات التونسية ساحة اختبار حقيقية لقدرة الدولة الوطنية على فرض سيادتها الكاملة ومنع تحول أراضيها إلى ممر آمن للعناصر المتطرفة التي تبحث عن موطئ قدم جديد في ظل انحسار نفوذها في معاقلها التقليدية.
استراتيجية “أشباح الجبال” وإعادة تدوير المقاتلين العائدين من مناطق النزاع
تعتمد الجماعات الإرهابية في عام 2026 على استراتيجية “الخلايا النائمة” التي يتم تنشيطها لاستقبال المقاتلين العائدين، حيث يتم توفير الدعم اللوجستي وتزوير الوثائق وتأمين طرق التسلل عبر الحدود البرية الطويلة، وتبرز المرتفعات التونسية في هذا السياق كحلقة وصل استراتيجية نظرًا لموقعها المتوسط بين دول الجوار التي تعاني من اضطرابات أمنية.
وقد رصدت الأجهزة الأمنية التونسية محاولات لهذه العناصر للاندماج المؤقت في القرى الجبلية النائية تحت مسميات وأنشطة اقتصادية بسيطة، بانتظار تعليمات التحرك نحو أهداف جديدة.
إن خطورة هؤلاء “العائدين” تكمن في عقيدتهم القتالية الصلبة وقدرتهم على تجنيد عناصر جديدة من الشباب المتأثر بالفكر المتطرف عبر المنصات الرقمية، وهو ما دفع السلطات التونسية لتكثيف الرقابة على الفضاء السيبراني بالتوازي مع العمليات الميدانية، لفك شيفرة التواصل بين أمراء الجبال في تونس وبين القيادات المركزية للتنظيمات الإرهابية التي تحاول إعادة تدوير “فلولها” في منطقة شمال أفريقيا، مستغلة أي ثغرات أمنية أو انشغالات سياسية محلية.
اليقظة العسكرية التونسية وتكتيكات الضربات الاستباقية في المناطق الوعرة
في مواجهة هذا الخطر المتجدد، طورت القوات المسلحة والأمنية التونسية في 2026 تكتيكات قتالية متطورة تعتمد على “الضربات الجراحية” والإنزال الجوي السريع في عمق المرتفعات، مستخدمة تكنولوجيا الطائرات المسيرة (الدرونز) المزودة بذكاء اصطناعي لرصد التحركات الحرارية والاتصالات اللاسلكية في الكهوف والمغاور.
ونجحت هذه الضربات الاستباقية في تفكيك عشرات الخلايا التي كانت قيد التأسيس، ومنعت تحويل الجبال إلى معسكرات تدريب دائمة، كما عززت تونس من وجودها العسكري على طول الشريط الحدودي الغربي، مع تفعيل غرف عمليات مشتركة مع دول الجوار لتبادل البيانات اللحظية حول قوائم المقاتلين العائدين والمطلوبين دوليًا.
إن هذا النهج الهجومي بدلاً من الدفاعي قد ساهم بشكل كبير في تحجيم قدرة الإرهابيين على المبادرة، وأجبرهم على البقاء في حالة دفاع مستمر ومطاردة دائمة، مما قلص من جاذبية المرتفعات التونسية كمحطة “ترانزيت” آمنة، وأرسل رسالة حازمة بأن الدولة التونسية لن تسمح بتكرار سيناريوهات الأعوام الماضية أو تحويل جبالها إلى بؤر خارجة عن السيطرة.
الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية كدرع واقٍ ضد التغلغل الإرهابي في القرى الحدودية
تدرك الدولة التونسية في عام 2026 أن الحل الأمني وحده لا يكفي لاستئصال شأفة الإرهاب في المرتفعات، لذلك اتجهت نحو تنفيذ مشاريع تنموية كبرى في المناطق المحاذية للجبال، بهدف تجفيف الحواضن الاجتماعية التي قد تستغلها التنظيمات الإرهابية نتيجة الفقر أو التهميش.
ومن خلال دعم المزارعين الصغار وتوفير الخدمات الأساسية وربط القرى الحدودية بالمدن الكبرى، نجحت الحكومة في بناء “جدار بشري” من الولاء الوطني يرفض التعاون مع المسلحين أو إيوائهم.
إن وعي سكان المرتفعات بخطورة هذه الجماعات على أمنهم وأرزاقهم أصبح السد المنيع الأول الذي يحطم طموحات المقاتلين العائدين في إيجاد ممرات آمنة، وبالإضافة إلى ذلك، عززت المؤسسات الدينية والتعليمية من برامج التوعية لمكافحة الفكر المتطرف، مما جعل من الصعب على “أشباح الجبال” الحصول على مجندين جدد أو معلومات استخباراتية محلية، وهذا التكامل بين التنمية والأمن هو ما يضمن استدامة الاستقرار ويمنع تحول تونس إلى ساحة بديلة لتصفية الحسابات أو ترانزيت للمتطرفين الدوليين.
مستقبل الاستقرار في تونس وصمود الدولة أمام عواصف الإرهاب العابر للحدود
يظل ملف المرتفعات التونسية مفتوحا على تحديات مستمرة تتطلب نفسًا طويلاً وتنسيقًا دوليًا واسعًا، فظاهرة المقاتلين العائدين هي قضية عالمية تتجاوز قدرة دولة واحدة، ومع ذلك، أثبتت التجربة التونسية حتى عام 2026 قدرة فائقة على الصمود والابتكار الأمني والمجتمعي، إن النجاح في منع تحويل الجبال إلى محطات “ترانزيت” هو انتصار لمنطق الدولة على منطق الميليشيا، وخطوة كبرى نحو تأمين الموسم السياحي والاقتصادي الذي تعتمد عليه البلاد.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، تبقى المرتفعات التونسية رمزًا للتحدي والسيادة، حيث يمتزج عبق البارود بعزيمة الجنود لحماية كل شبر من تراب الوطن، ومع استمرار الضغط العسكري والتنموي، يتوقع الخبراء أن تشهد السنوات القادمة انحسارًا نهائيًا لهذه الجيوب الإرهابية، لتعود الجبال الساحرة متنفسًا طبيعيًا وسياحيًا للسوريين وللتونسيين وللعالم، بعيدًا عن ظلال الإرهاب ومرارات الحروب التي حاولت عبثًا استيطان قممها الشامخة.

