تعود باريس لتتصدر المشهد السياسي في الشرق الأوسط من بوابة الملف السوري في مطلع عام 2026، في محاولة حثيثة لاستعادة دورها التقليدي كلاعب أساسي في صياغة التوازنات الإقليمية التي تأثرت كثيراً بالتحولات الدولية الأخيرة.
وقالت مصادر: إن دخول فرنسا على “خط النار” السوري لا يمكن فصله عن رغبة الرئيس الفرنسي في إثبات استقلالية القرار الأوروبي وقدرة القارة العجوز على التأثير في ملفات أمنها القومي المباشر، خاصة وأن سوريا تمثل بالنسبة لفرنسا حجر الزاوية في استقرار حوض المتوسط وملف الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب.
ومع ذلك، يطرح هذا التحرك تساؤلات جوهرية حول حدود الدور الفرنسي في ظل وجود قوى عظمى وإقليمية تسيطر فعليًا على الأرض، ومدى قدرة الدبلوماسية الفرنسية على تجاوز مربع التصريحات المنددة إلى مربع الفعل الاستراتيجي الذي يغير موازين القوى أو يفرض مسارًا سياسيًا جديدًا يتوافق مع الرؤية الأوروبية للحل النهائي.
الاستراتيجية الفرنسية
تعتمد الاستراتيجية الفرنسية الجديدة في سوريا على مزيج معقد من الضغط الدبلوماسي المكثف في المحافل الدولية، وتعزيز الحضور الاستخباري والعسكري المحدود ضمن التحالفات القائمة، بهدف منع انفراد أطراف بعينها بالقرار السوري.
وترى باريس، أن غيابها عن طاولة المفاوضات الكبرى في السنوات الماضية أدى إلى تهميش المصالح الأوروبية، ولذلك تسعى الآن لفرض شروطها المتعلقة بملف إعادة الإعمار وربطها بالانتقال السياسي الحقيقي وفق القرارات الأممية، وعلى رأسها القرار 2254.
إن هذا الدور الفرنسي “المتجدد” يسعى لخلق مساحة توازن تمنع الانزلاق نحو فوضى شاملة قد تهدد أمن أوروبا، وفي الوقت نفسه، يحاول الحد من نفوذ الجماعات المتطرفة والقوى التي ترفض الانخراط في عملية سياسية شاملة، مما يضع باريس في مواجهة مباشرة مع طموحات إقليمية متضاربة تحاول تقاسم النفوذ فوق الخارطة السورية الممزقة.
ما وراء الوجود الفرنسي في الشمال والشرق؟
ما تزال فرنسا تحتفظ بتواجد عسكري نوعي، وإن كان محدودًا عددًا، في مناطق شمال وشرق سوريا، حيث تتركز مهام قواتها ضمن إطار مكافحة تنظيم داعش وضمان استقرار المناطق التي تسيطر عليها القوى المحلية المتحالفة مع الغرب.
ففي عام 2026، تدرك باريس أن سحب قواتها أو تقليص حضورها الأمني سيعني انهيار التوازنات الهشة في تلك المناطق وفتح الباب أمام عودة التطرف أو تمدد القوى المنافسة، ولذلك تعمل على تعزيز التنسيق مع واشنطن لضمان بقاء “مظلة حماية” تمنع أي اجتياحات عسكرية جديدة قد تخلط الأوراق.
إن حدود الدور الفرنسي هنا ترتبط بمدى النفس الطويل للإدارة الفرنسية في تحمل كلفة هذا الوجود، وقدرتها على بناء تحالفات محلية قوية تستطيع الصمود أمام الضغوط الخارجية، وهو ما يجعل من باريس رقمًا صعبًا في معادلة الشمال السوري، رغم محدودية الأدوات العسكرية التقليدية مقارنة بالقوى الكبرى.
المعضلة الأخلاقية والقانونية
تمثل قضية المحاسبة على جرائم الحرب واستخدام الأسلحة الكيميائية ركيزة أساسية في الخطاب السياسي الفرنسي تجاه سوريا، حيث تتبنى باريس موقفًا متصلبًا يرفض أي تطبيع مجاني مع السلطة في دمشق دون تقديم تنازلات حقيقية في ملف حقوق الإنسان.
وفي عام 2026، تقود فرنسا جهودًا حقوقية دولية لتوثيق الانتهاكات، وتسعى لفرض عقوبات ذكية تستهدف البنية الاقتصادية التي تغذي الصراع، معتبرة أن أي حل يتجاهل العدالة الانتقالية سيكون حلاً مؤقتًا وقابلاً للانفجار، هذه “المبدئية” الفرنسية تضعها أحيانًا في صدام مع دول أوروبية أخرى بدأت تميل نحو “الواقعية السياسية” لمواجهة أزمات الطاقة واللاجئين، لكن باريس تصر على أن دورها القيادي في أوروبا يفرض عليها التمسك بالثوابت الأخلاقية التي تضمن استقرارًا طويل الأمد، وليس مجرد تسويات هشة ترحّل الأزمات ولا تحلها.
التنافس الإقليمي
تجد فرنسا نفسها في عام 2026 وسط شبكة معقدة من التنافس مع القوى الإقليمية التي تملك نفوذاً واسعاً في سوريا، مثل تركيا وإيران وروسيا. تحاول باريس المناورة في هذه المساحة الضيقة عبر تقديم نفسها كوسيط مقبول أحيانًا، وكقوة ردع سياسية أحياناً أخرى.
ففي الوقت الذي تعارض فيه التحركات العسكرية التي قد تهدد استقرار حلفائها المحليين، تحاول فتح قنوات اتصال مع موسكو لضمان عدم انهيار المسارات السياسية بالكامل.
إن حدود الدور الفرنسي تظهر بوضوح هنا؛ فهي لا تملك القدرة على إخراج هذه القوى من المشهد السوري، لكنها تملك قدرة “التعطيل” أو “العرقلة” لأي مشاريع تسوية لا تراعي المصالح الفرنسية والأوروبية، وهو ما يجعل من باريس طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تفاهمات إقليمية كبرى تتعلق بمستقبل الجغرافيا السورية.
المستقبل والآفا
إن حدود الدور الفرنسي في سوريا عام 2026 تظل محكومة بمدى قدرة باريس على تحويل نفوذها الدبلوماسي والثقافي والتاريخي إلى قوة ضغط فعلية على الأرض. باريس لا تسعى فقط لدخول “خط النار”، بل تحاول فرض “حل ثالث” يجمع بين الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وبين تحقيق إصلاحات بنيوية جذرية تضمن تمثيل كافة المكونات.
كما أن نجاح فرنسا في هذا المسار يعتمد على تماسك الموقف الأوروبي خلفها، وعلى قدرتها على إقناع واشنطن والقوى الإقليمية بأن استقرار سوريا هو مصلحة عالمية وليس مجرد ملف للصراع على النفوذ.
وبينما تظل الأرض السورية ساحة مفتوحة لكافة الاحتمالات، يبقى الحضور الفرنسي مؤشرًا على أن أوروبا لن تتخلى بسهولة عن دورها في منطقة تمثل عمقها الاستراتيجي، وأن “نار” الأزمة السورية لا يمكن إطفاؤها دون توافق دولي تكون باريس أحد محركاته الأساسية.

