ذات صلة

جمع

فقر مُصنّع.. كيف يمتص الحوثيون دماء الشعب اليمني لتمويل مشاريعهم الطائفية؟

لم تعد معاناة اليمنيين نتاجًا طبيعيًا للصراع المسلح فحسب،...

نهاية عصر الإخوان.. كيف انكشفت “البراغماتية المتوحشة” وسقطت أقنعة الجماعة؟

شهد العقد الأخير تحولاً دراماتيكيًا في المشهد السياسي العربي،...

فوق رمال متحركة.. كيف يخطط العراق لإعادة هندسة اقتصاده في 2026؟

يدخل العراق عام 2026 وهو يقف على أعتاب مرحلة...

عصر الخداع الكبير.. هل تنجو القارة العجوز من “فخ الاستنزاف” في أوكرانيا؟

مع دخول الصراع في أوكرانيا عامه الرابع، يواجه القادة...

الرسائل السياسية.. هل تضحي ليبيا بالاستقرار المالي من أجل الأمن؟

في خطوة أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط السياسية والاقتصادية،...

نهاية عصر الإخوان.. كيف انكشفت “البراغماتية المتوحشة” وسقطت أقنعة الجماعة؟

شهد العقد الأخير تحولاً دراماتيكيًا في المشهد السياسي العربي، حيث انتقل تنظيم الإخوان المسلمين من قمة الهرم السلطوي في عدة دول إلى حالة من الأفول والانحسار غير المسبوق، هذه النهاية الدراماتيكية لم تكن مجرد نتاج صراعات سياسية عابرة، بل كانت نتيجة حتمية لانكشاف “البراغماتية المتوحشة” للتنظيم، والتي اصطدمت بوعي الجماهير التي اكتشفت زيف الشعارات الدينية حين وضعت في ميزان الاختبار العملي لإدارة الدولة.

فشل اختبار الدولة

طوال عقود، سوق الإخوان أنفسهم كبديل أخلاقي ومنقذ اقتصادي تحت شعار “الإسلام هو الحل”، ومع ذلك، بمجرد وصولهم إلى سدة الحكم في دول مثل مصر وتونس، وسيطرتهم على مفاصل القرار في أجزاء من اليمن وليبيا، ظهرت الحقيقة الصادمة.

وبدلاً من تقديم حلول لمشاكل الفقر، والبطالة، والفساد، انصبت جهود الجماعة على ما يُعرف بـ “الأخونة” أو التمكين؛ أي إحلال عناصر التنظيم في مفاصل الدولة الحيوية بغض النظر عن الكفاءة، هذه البراغماتية التي فضلت مصلحة الجماعة على مصلحة الوطن كانت المسمار الأول في نعش شعبيتهم، حيث أدركت الجماهير أن “الدين” بالنسبة للإخوان لم يكن غاية، بل كان وسيلة للوصول إلى كراسي الحكم.

البراغماتية السياسية وسقوط الثوابت المدعاة

ولطالما اعتمد الإخوان على خطاب راديكالي تجاه الغرب وتجاه القضايا القومية العربية لكسب ود الشارع، لكن، بمجرد اقترابهم من السلطة، ظهرت “براغماتية مفرطة” وصلت إلى حد التنازل عن كل الثوابت التي صدعوا بها رؤوس الأتباع.

لقد رأى المواطن العربي كيف تحولت الجماعة من خطاب “الخلافة” و”معاداة الصهيونية” إلى مخاطبة القوى الدولية بلغة تودد استجدائية لضمان البقاء في السلطة، هذا التناقض الصارخ بين الخطاب التعبوي الموجه للقواعد وبين الممارسات السياسية في الغرف المغلقة خلق حالة من الاغتراب لدى الجماهير، التي رأت في الإخوان وجهاً آخر لنفس العملة الانتهازية، ولكن بغطاء ديني.

التآكل الداخلي.. صراع الأجنحة والمال

نهاية عصر الإخوان لم تأتِ من الخارج فقط، بل من الداخل أيضًا، حيث كشفت الأزمات الأخيرة عن صراعات “براغماتية” مخزية بين أجنحة التنظيم “جبهة لندن وجبهة إسطنبول” حول الأموال، والشركات، وقيادة التنظيم الدولي.

هذه الصراعات المالية فضحت البنية الهشة للجماعة، وأظهرت أن القيادات التي كانت تدعو الشباب للتضحية والزهد تعيش في رغد من العيش وتتصارع على ثروات تم جمعها باسم “الدعوة”. هذا الانكشاف الأخلاقي كان القاضية التي أفقدت الجماعة تعاطف القواعد الشعبية والشبابية التي شعرت بالخديعة.

الوعي الشعبي.. الحصن المنيع ضد التضليل

العامل الحاسم في نهاية عصر الإخوان هو تطور الوعي الشعبي العربي، لم تعد الشعارات العاطفية والدينية تنطلي على الشعوب التي عانت من ويلات “الربيع العربي” الذي اختطفته الجماعة، واكتشف الناس أن الاستقرار، والتنمية، وسيادة الدولة الوطنية هي الضمانات الحقيقية للمستقبل، وليس المشاريع الحزبية الضيقة التي تؤمن بـ “الأستاذية” على المجتمع.

المواطن العربي اليوم يطالب بدولة المؤسسات، وبقضاء مستقل، وبجيش وطني يحمي الأرض، وهي مفاهيم تتناقض كليًا مع “فلسفة التنظيم” التي تضع الولاء للمرشد فوق الولاء للوطن.

ما بعد الإخوان.. بناء الدولة الوطنية الحديثة

مع انحسار ظل الإخوان، بدأت المنطقة العربية مرحلة جديدة من إعادة بناء الهوية الوطنية، الدول التي نجحت في استئصال فكر الإخوان شهدت طفرات تنموية واستقرارًا أمنيًا ملحوظًا.

إن سقوط الإخوان لم يكن انتصارًا سياسيًا لجهة ما، بل كان انتصارًا لـ “مفهوم الدولة” على “مفهوم الجماعة”، لقد أدركت الشعوب أن الدين أسمى من أن يُبتذل في دهاليز السياسة القذرة، وأن الوطن يتسع للجميع بشرط الولاء المطلق للأرض لا للتنظيم.

إن نهاية عصر الإخوان هي نتيجة طبيعية لعملية انكشاف تاريخي دامت لعقد من الزمان، لقد سقطت البراغماتية الإخوانية في أول اختبار حقيقي لها، وتحولت “الجماعة” من قوة كانت تدعي قيادة الأمة إلى كيان معزول يصارع من أجل البقاء في الشتات، وإن الدرس الأهم الذي تعلمته الجماهير هو أن الوعي الوطني هو السلاح الأقوى ضد أي جماعة تحاول المتاجرة بالمقدسات من أجل مكاسب سياسية زائلة.