تتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية في ليبيا لتسجل مستويات قياسية من التدهور الهيكلي، حيث تتشابك فيها الضغوط النقدية الصارمة مع التداعيات المباشرة لسيطرة التشكيلات المسلحة على المقدرات الوطنية ومفاصل المال العام.
فقد أدى الانقسام المؤسسي الممتد منذ عام 2011 إلى خلق مناخ استثنائي من عدم الاستقرار المالي، تجلى في هبوط القوة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وسط شكاوى شعبية عارمة من الغلاء الفاحش وتدهور الخدمات الحيوية.
وتؤكد المصادر والتقارير الحقوقية والأممية الموثقة، أن معالجة هذا الانهيار لن تتأتى عبر الحلول النقدية الترقيعية، بل عبر تفكيك شبكات الفساد واقتصاد الحرب، وإنهاء هيمنة الميليشيات المسلحة التي تواصل امتصاص ثروات البلاد وتأجيج الأزمات المعيشية ضد المواطنين العزل.
انهيار القوة الشرائية للدينار الليبي: الدولار يتجاوز 10 دنانير وسط غضب شعبي عارم
وسارع المحافظ المكلف لمصرف ليبيا المركزي، فوزي بوخزام، خلال الأيام الأولى من توليه مهام منصبه خلفًا للمحافظ السابق ناجي عيسى، إلى تكثيف المشاورات المباشرة مع المؤسسات السيادية والاقتصادية والسياسية، في محاولة عاجلة لاحتواء الضغوط النقدية المتزايدة.
وتأتي هذه التطورات بعد أن شهدت السوق الموازية قفزات غير مسبوقة لسعر صرف الدولار الأمريكي ليتجاوز حاجز 10 دنانير ليبية خلال الشهرين الأخيرين، مما تسبب في فقدان الدينار لجانب كبير من قيمته وقوته الشرائية أمام العملات الأجنبية.
وانعكست هذه الكارثة النقدية مباشرة على الشارع الليبي، حيث دعا نشطاء ومواطنون عبر «رابطة حراك 28 أكتوبر» إلى الخروج في تظاهرات شعبية حاشدة احتجاجًا على تردي الأوضاع المعيشية للمطالبة بإعادة النظر في السياسات النقدية وسعر الصرف المتبع.
لقاءات سيادية في طرابلس: محاولات كبح الانهيار وضبط آليات الإنفاق الحكومي
وفي إطار السعي لإيجاد حلول عاجلة للتدهور النقدي، عقد المحافظ الجديد سلسلة اجتماعات بارزة، شملت لقاءه مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة للبحث في سبل تعزيز قيمة الدينار وتوفير الغطاء السي المؤسسي المطلوب.
كما عقد بوخزام اجتماعًا موسعًا منتصف الأسبوع بحضور وزير المالية بحكومة الوحدة الوطنية راشد أبو غفة، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، لمناقشة آليات إدارة الإيرادات النفطية والإنفاق العام.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة نظرًا لارتباط استقرار العملة الصارم بالموارد النفطية والسياسة المالية؛ حيث أكد الخبراء أن إدارة الاحتياطيات الأجنبية والاعتمادات المستندية تتطلب تكاملاً كاملاً بين المصرف المركزي ووزارة المالية والمؤسسة النفطية، لمنع استمرار النزيف المالي وتغطية العجز بدون موازنة عامة معتمدة.
جرائم الميليشيات واقتصاد الحرب: توثيق أممي لحروب النهب وتهريب النفط والسلع
وتؤكد تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وخبراء مجلس الأمن الدولي الصادرة في تواريخ موثقة، أن العقبة الأساسية أمام التعافي الاقتصادي تمثل في السيطرة الميدانية للتشكيلات والميليشيات المسلحة على المرافق الاقتصادية والمعابر الحدودية.
فقد وثقت التقارير الدولية تورط هذه الجماعات في جرائم منظمة تشمل تهريب الوقود والنفط والسلع المترتبة على الاعتمادات المستندية التفضيلية، فضلاً عن تحصيل إتاوات غير قانونية وفرض السيطرة بالقوة على المصارف التجارية.
وتوضح البيانات الأممية، أن هذه الممارسات غير المشروعة أوجدت ما يُعرف بـ “اقتصاد الحرب”، حيث تُستغل ثروات الشعب الليبي لتغذية نفوذ أمراء الحرب وتوسيع شبكات الفساد، مما يضغط بشكل مباشر على سوق الصرف ويحرم الخزانة العامة من إيرادات سيادية ضخمة كان يمكن توجيهها لتحسين معيشة المواطنين.
الانتهاكات الحقوقية وتأثيرها على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد
تسببت الجرائم والتجاوزات الأمنية التي ترتكبها الميليشيات المسلحة في تفاقم أزمة الأمن الغذائي وتعطيل سلاسل الإمداد داخل المدن الليبية.
ووفقًا لتقارير حقوقية دولية حديثة صدرت عن هيومن رايتس ووتش والبعثة الأممية لتقصي الحقائق، فإن الانفلات الأمني واستهداف المنشآت الاقتصادية أديا إلى نزوح آلاف الأسر وإغلاق العديد من الأسواق، فضلاً عن فرض قيود تعسفية على حركة البضائع والمستلزمات الطبية.
وتكشف الوثائق أن المواطنين في مناطق مختلفة يعانون من صعوبة الحصول على السيود المالية من المصارف نتيجة لسيطرة الجماعات المسلحة على عمليات توزيع النقد، مما يجعل الفئات الأكثر هشاشة من النساء والأطفال وكبار السن في مواجهة مباشرة مع خطر الفقر المتقع ونقص الخدمات الأساسية.
حتمية المساءلة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب لضمان الاستقرار الاقتصادي
وتؤكد القراءات الاقتصادية والحقوقية المتطابقة، أن إنقاذ الدينار الليبي وتجاوز الأزمة المعيشية الخانقة لن يتحققا عبر الإجراءات التنظيمية داخل المصرف المركزي فحسب، بل يتطلبان إرادة سياسية ودولية حازمة لإنهاء حالة الإفلات من العقاب وإنفاذ القانون.
إن تفكيك شبكات التهريب والفساد المالي، وحماية قطاع النفط والمؤسسات السيادية من نفوذ التشكيلات المسلحة، وفرض الرقابة التشريعية والصارمة على الإنفاق الحكومي، تشكل جميعها ركائز أساسية لأي استراتيجية استقرار واعدة.
ويبقى الرهان على قدرة الأطراف الوطنية والدولية على فرض المساءلة وتطبيق معايير الشفافية، بما يضمن استعادة ثقة المواطن بالعملة الوطنية وحماية مقدرات ليبيا وشعبها من الهدر والضياع.

