ذات صلة

جمع

سماء الموت.. كيف يسهم تدمير أسواق المواشي والبنية التحتية في تفاقم خطر المجاعة بالسودان؟

تتفاقم الأزمة الإنسانية والأمنية في الولايات والأقاليم السودانية لتصل...

دوامة التضخم.. كيف تكشف أزمة الغذاء عن عمق الاختناق الاقتصادي في تونس؟

تعيش الأسر والعائلات التونسية تحت مظلة واحدة من أشد...

أسرار العصر الحديدي في بريطانيا.. ماذا نعرف عن درع باترسي البرونزي؟

لم يكن درع باترسي مجرد قطعة معدنية عثر عليها...

الحقيقة وراء مصاصي الدماء.. كيف صنع الخوف من الأمراض أسطورة عاشت قرونًا؟

هل يمكن أن يتحول الخوف من مرض غامض إلى اتهام الموتى، ونبش القبور، وإشعال موجة من الرعب تمتد بين القرى والمدن عبر أجيال؟ قد تبدو الحكاية أقرب إلى أفلام الرعب، لكنها ترتبط بممارسات ومعتقدات تاريخية ظهرت في مجتمعات مختلفة، عندما عجز الناس عن تفسير الأوبئة وأسباب الموت المفاجئ.

وفي قلب هذه القصص، برزت أساطير مصاصي الدماء، التي لم تتشكل فقط بفعل الخيال الشعبي، بل ساهمت في انتشارها أيضًا مخاوف المرض، والممارسات القضائية، والتقارير الصحفية المثيرة.

وبحسب تقرير نشره موقع «لايف ساينس»، يناقش المؤرخ البروفيسور جون بلير هذه الظاهرة في كتابه «قتل الموتى: أوبئة مصاصي الدماء من بلاد ما بين النهرين إلى العالم الجديد»، الصادر عن دار نشر جامعة برينستون.

ويعيد الكتاب النظر في الروايات التي ارتبطت بما عُرف تاريخيًا بأوبئة مصاصي الدماء، متناولًا كيفية نشأة بعض المعتقدات المخيفة وانتشارها، والدور الذي لعبته التحقيقات القضائية والتغطيات الصحفية في تشكيل صورة الموتى بوصفهم مصدرًا للخطر.

كيف تحولت الأوبئة إلى قصص عن مصاصي الدماء؟

في فترات تاريخية سابقة، واجهت المجتمعات أمراضًا فتاكة، من بينها السل والطاعون، دون امتلاك المعرفة الطبية اللازمة لتفسير أسباب الإصابة أو انتقال العدوى بصورة دقيقة.

ومع تكرار الوفيات داخل الأسر والقرى، ظهرت تفسيرات شعبية ربطت بين موت شخص ومرض أقاربه أو تدهور حالتهم الصحية، لتتحول بعض الجثث إلى موضع شك وخوف.

ويرى بلير، وفقًا لما أورده التقرير، أن بعض الممارسات المرتبطة بنبش القبور وتشويه الجثث يمكن فهمها في سياق محاولة المجتمعات التعامل مع الخوف الجماعي من الأوبئة.

ففي ظل غياب التفسير العلمي، اعتقد بعض الناس أن المتوفى قد يستمر في إلحاق الأذى بالأحياء، وهو ما دفعهم إلى اتخاذ إجراءات ضد الجثث ظنًا منهم أنها ستوقف سلسلة الوفيات.

وتكشف هذه الروايات جانبًا من العلاقة بين الخوف والجهل الطبي في التاريخ؛ فحين تعجز المجتمعات عن تفسير الأحداث المحيطة بها، قد تنتشر تصورات غير مثبتة تتحول تدريجيًا إلى معتقدات جماعية، خاصة عندما تتكرر المآسي ويبحث الناس عن سبب واضح لما يحدث.

نبش القبور وتشويه الجثث.. لماذا استهدف الخوف الموتى؟

من أبرز الأفكار التي يناقشها الكتاب أن استهداف الموتى قد يكون، في بعض السياقات التاريخية، وسيلة لتفريغ الخوف الجماعي وتحديد هدف يمكن للمجتمع تحميله مسؤولية الكارثة.

فبدلًا من توجيه الاتهامات إلى أشخاص أحياء أو تصعيد النزاعات داخل المجتمع، أصبحت الجثث في بعض الحالات محورًا لممارسات اعتقد الناس أنها ستحميهم من المرض والموت.

وتضمنت الروايات التاريخية ممارسات مثل فتح القبور، وقطع رؤوس الجثث، وتشويهها، إلى جانب قصص عن التعامل مع أعضاء الموتى ودمائهم، لكن وجود هذه الروايات في المصادر القديمة لا يعني بالضرورة أن جميع التفاصيل المتداولة عنها صحيحة، أو أنها كانت ممارسة شائعة في كل المجتمعات التي انتشرت فيها أساطير مصاصي الدماء.

وتكمن أهمية هذه النقطة في التمييز بين الوقائع التي يمكن توثيقها وبين القصص التي تضخمت مع مرور الزمن. فالتاريخ لا يقتصر على تسجيل ما اعتقده الناس، بل يتطلب أيضًا فحص الظروف التي ظهرت فيها هذه المعتقدات، ومصادر الروايات، ومدى دقة التفاصيل التي تناقلتها الأجيال.

هل صنعت التحقيقات القضائية والصحافة أسطورة مصاص الدماء؟

ويشير التقرير إلى أن بلير يعيد فحص عدد من الروايات التي ارتبطت بممارسات مرعبة نُسبت إلى القرويين في أوروبا، ومنها قصص عن شرب دماء الموتى ممزوجة بالمشروبات الكحولية أو إعداد أطعمة باستخدام الدم.

ويطرح الكتاب تساؤلات حول مدى موثوقية بعض هذه الروايات، وما إذا كانت قد تشكلت بفعل التحقيقات القاسية والمبالغات الصحفية أكثر مما عكست معتقدات شعبية مستقرة.

وبحسب ما ورد في التقرير، تعرض بعض القرويين للاستجواب تحت التهديد والترهيب، في أجواء تشبه ما ارتبط تاريخيًا ببعض محاكمات السحر. وفي مثل هذه الظروف، لا يمكن التعامل مع الاعترافات المنقولة باعتبارها دليلًا قاطعًا على وقوع الممارسات المنسوبة إلى أصحابها، خصوصًا عندما تكون ظروف التحقيق موضع شك.

وفي الوقت نفسه، ساهمت الصحافة الأوروبية الناشئة في تداول أخبار عن نبش القبور ومزاعم مصاصي الدماء في صربيا وأجزاء من أوروبا الشرقية.

وكانت القصص المثيرة قادرة على جذب انتباه القراء، الأمر الذي جعل بعض الروايات تنتشر على نطاق أوسع، وتكتسب تفاصيل إضافية مع إعادة نشرها وتداولها.

ويطرح هذا الجانب سؤالًا مهمًا حول تأثير الإعلام في تشكيل الوعي العام: فالقصة التي تبدأ باعتقاد محلي أو واقعة محدودة قد تتحول، عبر التكرار والمبالغة، إلى ظاهرة تبدو أكثر انتشارًا وخطورة مما تثبته الأدلة المتاحة.

«الموتى القلقون».. الجثث التي فسرها الناس بطريقة مخيفة

ولا تقتصر دراسة معتقدات مصاصي الدماء على الصورة الشائعة للوحش الذي يخرج ليلًا من قبره بحثًا عن الدماء، إذ يتناول الكتاب مجموعة أوسع من التصورات التي ارتبطت بما يُعرف بالموتى القلقين، وهي فئة من الكيانات التي اعتقدت بعض المجتمعات أنها تستطيع التأثير في حياة الأحياء بعد الوفاة.

ومن بين هذه التصورات ما عُرف باسم «مضغي الأكفان»، حيث اعتُقد أن بعض الجثث تلتهم أكفانها داخل القبر، وأن ذلك يرتبط بانتشار الأمراض أو وقوع وفيات جديدة.

كما ظهرت قصص عن الجثث المنفوخة التي بدت متضخمة عند فتح القبور، ففسرها بعض الناس باعتبارها دليلًا على امتصاص الدماء، رغم أن التحلل الطبيعي قد يؤدي إلى تغيرات في شكل الجسد وحجمه.

وتكشف هذه الأمثلة كيف يمكن للظواهر الطبيعية التي لم تكن مفهومة في الماضي أن تتحول إلى أدلة مزعومة على وجود قوى خارقة.

فالتغيرات التي تطرأ على الجثث بعد الوفاة كانت قابلة للتأويل في مجتمعات تفتقر إلى المعرفة العلمية اللازمة لتفسيرها، ما ساعد على ترسيخ بعض الأساطير.