يعيش المشهد العراقي على وقع ترقب شعبي وظيفي عارم يترجمه أكثر من 4 ملايين موظف يتطلعون بفارغ الصبر إلى حسم ملف “سلم الرواتب الجديد”، الذي يُفترض أن يشكل خطوة أولى نحو ردم الهوة المالية الساحقة ومعالجة الفوارق الطبقية الفادحة بين أبناء القطاع العام.
ومع استمرار المماطلة السياسية والضغوط الاقتصادية الهيكلية التي تفرضها ظروف البلاد المعقدة، تتكشف تباعًا تفاصيل التوصيات والمقترحات الحاسمة الصادرة عن لجنة “الأمر الديواني”، والتي وضعت خريطة طريق متكاملة لإعادة هيكلة الرواتب الاسمية والمخصصات بغية تحقيق الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية وإنصاف صغار الموظفين وذوي الدرجات الوظيفية الدنيا الذين ترزح أسرهم تحت خطوط الفقر.
وفي ظل هذه التجاذبات الإدارية والمالية، تواصل المجموعات المسلحة والميليشيات النافذة فرض سطوتها على مقدرات الدولة ومواردها؛ مما يحيل الإصلاحات المنشودة إلى معركة معقدة تتداخل فيها المطالب المعيشية المشروعة مع صراع النفوذ والفساد المستشري في مفاصل المؤسسات الرسمية.
إن هذه الأزمات المتشابكة لا تقتصر على الجانب المعيشي الضيق، بل تمتد لتكشف عن خلل بنيوي عميق في إدارة الدولة العراقية، حيث تتصاعد التقارير الحقوقية والدولية محذرة من استمرار استنزاف الموارد العامة وغياب الشفافية، الأمر الذي يضع المواطن العراقي البسيط وسط مطرقة الغلاء المعيشي وسندان الفوضى الأمنية والاقتصادية المدارية من قبل قوى الأمر الواقع.
خريطة طريق سلم الرواتب: تفاصيل المقترحات وسيناريوهات الإنصاف المالي
تضمّن التقرير النهائي للجنة المكلفة بدراسة وتعديل سلم الرواتب خريطة طريق شاملة لإعادة تنظيم الهيكل المالي للقطاع العام، مبنية على سيناريوهات متعددة تستهدف تحقيق العدالة المفقودة.
وأوضحت مصادر، أن هذه التوصيات هي ثمرة دراسات مستفيضة أعدتها اللجنة منذ انطلاق أعمالها عام 2022، مشيرًا إلى أن المقترحات ما تزال قيد المتابعة ولم تُقر بشكل نهائي حتى الآن.
وجاءت أبرز محاور ومحاضر اللجنة الرسمية وفق النقاط التالية منها إقرار رفع القيمة الأساسية للراتب لجميع الموظفين، مع تركيز خاص على أصحاب الدرجات الوظيفية الصغرى (العاشرة وحتى السادسة) لتحسين قدرتهم الشرائية ومنح مخصصات بنسبة 50% وأخرى بنسبة 30% استنادًا إلى قانون رواتب موظفي الدولة، بالتوازي مع التوجه الحكومي نحو إلغاء المخصصات العشوائية الممنوحة خارج إطار هذا القانون وتحديد حد أقصى للمخصصات المالية بحيث لا تتجاوز نسبتها 50% من الراتب الكلي الجديد، على أن تُحول المبالغ الفائضة والمتبقية إلى حساب الخزينة العامة للدولة للحد من الهدر ةحصر الاستثناءات في الجهات والمؤسسات السيادية بالقطاع الأمني والعسكري فقط، نظرًا لخصوصية المهام وحساسية الظروف الميدانية.
وعلى الرغم من هذه المقترحات المتقدمة، تواجه عملية التطبيق تحديات تقنية وهيكلية جسيمة تتمثل في تفاوت استكمال قواعد البيانات الحكومية؛ إذ تشير محاضر اللجنة إلى أن إجمالي عدد الموظفين المدرجين ضمن جدول (ج) في قانون الموازنة يبلغ 4 ملايين و74 ألفًا و697 موظفًا، في حين لم تتسلم اللجنة سوى بيانات نحو مليوني موظف فقط، مما يستدعي ضغطًا مستمرًا على الوزارات لإنجاز الحصر الدقيق لضمان عدالة التوزيع.
الأثر الاقتصادي وفئات الرعاية الاجتماعية: مخاطر التضخم وهواجس الأسواق
ولم تقتصر دراسات اللجنة على الجانب الوظيفي البحت، بل استعانت ببيوت خبرة اقتصادية معتمدة لدراسة التداعيات المحتملة لتعديل سلم الرواتب على الأسواق المحلية وحركة أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، ضمانًا لتفادي موجات تورمية مدمرة قد تلحق أضرارًا بالغة بالفئات الهشة والعاطلين عن العمل والمستفيدين من شبكة الرعاية الاجتماعية وتؤكد هذه المؤشرات أن أي تعديل عشوائي للأجور دون ظهير إنتاجي ومالي سيسفر عن تفاقم الأزمات المعيشية بدلاً من حلها.
وفيما يتعلق بموظفي إقليم كردستان، أكدت التوصيات أن أي تعديل مرتقب لسلم الرواتب سيشمل موظفي الإقليم فور إقراره رسميًا، شريطة التزام حكومة الإقليم بتقديم قوائم وملاكات دقيقة ومحدثة لوزارة المالية الاتحادية عند طلب التمويل، في محاولة لردم الفجوات الإدارية وتوحيد المعايير الوظيفية على مستوى البلاد.
أرقام رسمية تفضح أزمات العراق وسطوة الفساد
تستند القراءات الحقوقية والدولية للأوضاع في العراق إلى سجل وثائقي وأرقام صادمة أصدرتها الهيئات الأممية والمنظمات الدولية المستقلة بين عامي 2024 و2026.
ووفقًا للتقرير الشامل الصادر عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والمنشور رسميًا، فإن الفساد الإداري والمالي الممنهج وهبات الموارد لصالح الجماعات المسلحة والميليشيات خارج إطار الدولة أدت إلى إهدار أكثر من 150 مليار دولار من عائدات النفط خلال العقد الأخير، مما حرم ملايين المواطنين من أبسط مقومات العيش الكريم والخدمات الأساسية.
كما أظهرت التحديثات الصادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2026، أن نسبة الفقر في المحافظات العراقية المختلفة بلغت مستويات قياسية تجاوزت 25% من إجمالي السكان، مع تركز معدلات البطالة بين الشباب والخريجين بنسب تجاوزت 35%، في وقت تستحوذ فيه شبكات المحاصصة الحزبية والميليشياوية على الوظائف الوهمية والدرجات الخاصة.
وتؤكد التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمة العفو الدولية وهيئات مراقبة الفساد، أن غياب سيادة القانون واستمرار الإفلات من العقاب يعيقان أي إصلاحات اقتصادية حقيقية، ويجعلان من المطالب المعيشية للموظفين رهينة بيد الصراعات السياسية.

