ذات صلة

جمع

الاستهتار بمأساة شعب.. كيف تعكس مشاهد البرهان حجم الانفصال عن أزمة السودان؟

بينما يكتوي ملايين السودانيين بنار الحرب المشتعلة والمستعرة منذ...

من “لاهاي” إلى الملاحقات الميدانية.. السجل الأسود للتنظيم الدولي للإخوان

في وقت تتهاوى فيه ركائز جماعة الإخوان المسلمين وتتآكل...

الشبكات السرية.. كيف تدير طهران خلايا الملاحقة والترهيب في أوروبا؟

تتسع دائرة المواجهة الدبلوماسية والأمنية بين طهران والعواصم الغربية...

اعتداءات على المستشفيات وخطف للأطباء.. كيف تحاصر الميليشيات المسلحة القطاع الصحي في ليبيا؟

تخوض الدولة الليبية واحدة من أعتى أزماتها الوجودية والأخلاقية...

الإخوان في الولايات المتحدة.. شبكات نفوذ توظف “الإسلام السياسي” للوصول إلى مراكز القرار

يتجدد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن امتدادات جماعة الإخوان...

اعتداءات على المستشفيات وخطف للأطباء.. كيف تحاصر الميليشيات المسلحة القطاع الصحي في ليبيا؟

تخوض الدولة الليبية واحدة من أعتى أزماتها الوجودية والأخلاقية منذ عقدين، حيث لم تعد معاناة المواطنين اليومية محصورة في الانقسام السياسي أو الانفلات الأمني، بل امتدت لتضرب المفاصل الخدمية الحيوية وتصيب القطاعين الصحي والتعليمي بشلل تام ونزيف لا يتوقف.

وفي وقت تتضاعف فيه صرخات المرضى وتتوقف فيه عجلة الدراسة في معظم المدن والبلدات، تحول اعتصام العاملين في القطاع الصحي إلى مواجهة مفتوحة ومباشرة مع بيئة الفساد وسوء الإدارة وتغول الميليشيات المسلحة التي تسيطر على المقدرات والقرارات المالية في العاصمة طرابلس وتستغل حالة الانقسام السياسي لنهب الموارد.

إن ما يشهده القطاع الصحي الليبي ليس مجرد خلاف نقابي حول تحسين الرواتب وتوفير المستحقات المتأخرة، بل هو انعكاس صارخ لكارثة وطنية شاملة يُدفع فيها المواطن البسيط والكوادر الطبية والتعليمية ثمن ارتهان مؤسسات الدولة لسلاح المجموعات المسلحة غير النظامية ومراكز النفوذ التي تحرم المشافي من الأدوية الأساسية والمعدات الطبية المنقذة للحياة.

تأتي هذه التحركات التصعيدية وسط استمرار الاحتجاجات في مختلف المحافظات، حيث دخل الإضراب شهره الثاني على التوالي، مسببًا إغلاقات واعتصامات متتالية كان آخرها إغلاق مقر النقابة العامة للأطباء بمنطقة بن عاشور في طرابلس من قبل الأطباء المحتجين لمواجهة تقاعس الدور النقابي والتغطية على الممارسات القمعية والإدارية الفاسدة التي تفرضها أذرع الميليشيات النافذة.

إغلاق النقابة واعتصامات المستشفيات: الأطباء في مواجهة الفساد والترهيب

تصاعدت حدة التوتر في العاصمة طرابلس بشكل غير مسبوق مع إعلان “اتحاد حراك القطاع الصحي” تصعيد خطواته الاحتجاجية وإغلاق مقر النقابة العامة للأطباء، محملين إياها مسؤولية التغاضي عن المعاناة المتراكمة وحرمان الكوادر الطبية من أجورهم ومستحقاتهم المالية الواجبة.

وتزامنت هذه الخطوة مع تجمع أعداد كبيرة من الأطباء والكوادر الطبية المساعدة الصامدين أمام مقر النقابة، قادمين من أكبر المرافق الصحية المحاصرة بالأزمات مثل مستشفى الخضراء، ومستشفى شارع الزاوية، والمستشفى الطبي، ومستشفى أبو سليم، معلنين أن هذا التحرك يأتي للدفاع عن حق المريض الليبي في الرعاية الكريمة وحماية الأطقم الطبية من القمع والاعتداءات المسلحة المتكررة التي تطالهم داخل أروقة المستشفيات أثناء أداء واجبهم الإنساني.

ولم تقف حركة الغضب عند حدود العاصمة؛ بل امتدت لتشهد مدينة مصراتة تجمعات حاشدة أمام المجلس البلدي، طالب فيها المتظاهرون بإنهاء التهميش وتوفير التأمين الصحي وتعديل جدول الأجور ومكافحة الاختلالات الهيكلية وتسوية مستحقات جائحة كورونا المعطلة منذ سنوات.

ورغم محاولات وزارة الصحة التابعة لحكومة “الوحدة” امتصاص الغضب عبر الإعلان عن إنجاز تسويات مالية فردية لنحو 27 ألف عامل وفرز ملفات آلاف آخرين لعام 2026، إلا أن قيادات الحراك المؤثرة، وفي مقدمتهم منسق الحراك سليمان الصومادي، أكدوا أن الموقف يُقاس بما يُنفذ فعليًا على الأرض من إصلاحات جذرية للشامل المالي والإداري، وليس بوعود واهية وتشكيل لجان صورية تستخدمها الميليشيات للمماطلة وكسب الوقت، ملوحين بخيار الاستقالات الجماعية الشاملة.

شلل المدارس وتدخل البرلمان: أزمة المرتبات تهدد الموسم الدراسي

وعلى جبهة أخرى لا تقل خطورة عن الانهيار الصحي، يواصل المعلمون إضرابهم المفتوح والشامل في معظم المناطق الليبية؛ مما أدى إلى تعطيل العملية التعليمية وحرمان ملايين الطلاب من حقوقهم في التعليم والتحصيل الدراسي، نتيجة لتجاهل السلطات التنفيذية لمطالبهم المشروعة في تعديل مرتباتهم وصرف الفروق المالية المتأخرة وتفعيل التأمين الطبي.

هذا الانسداد الخدمي والاجتماعي المريع ألقى بظلاله المباشرة على أروقة القرار السياسي، حيث اضطر مجلس النواب الليبي في بنغازي، برئاسة الصالحين عبد النبي، إلى عقد جلسة رسمية طارئة لمناقشة ملف أزمة المرتبات الوطنية وتداعيات إضراب قطاع التعليم والقطاع الصحي.

ووجه مجلس النواب بيانًا رسميًا دعا فيه المعلمين والمعلمات إلى استئناف الدراسة والعودة إلى الفصول، متعهدًا ببدء إجراءات تفعيل التأمين الطبي الشامل للمعلمين وأسرهم وتطبيق جدولة زمنية ملزمة لصرف الفروقات والمستحقات على دفعات شهرية متتالية بدءًا من الشهر الجاري.

غير أن الأزمة الحقيقية تتجاوز مجرد إصدار البيانات، إذ تقف أزمة توزيع الواردات واستغلال الميليشيات للموازنات العامة حائلاً دون تنفيذ التوافقات الوطنية، مما يجعل المؤسسات التعليمية والصحية ضحية لمنازعات السياسة والسلاح.

تقارير أممية وحقوقية موثقة: أرقام رسمية تكشف جرائم الميليشيات وانهيار القطاعات

يستند الغضب الشعبي والمهني العارم في ليبيا إلى قاعدة بيانات وثائقية وأرقام صادمة كشفت عنها المنظمات الأممية والهيئات الحقوقية الدولية بين عامي 2024 و2026، والتي تفضح الممارسات القمعية والنهب الممنهج الذي تمارسه الجماعات المسلحة والميليشيات بحق القطاعين الصحي والتعليمي والمؤسسات الخدمية.

ووفقًا للتقرير الصادر عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والمدعوم بوثائق لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي، فإن الميليشيات المسلحة في غرب وشرق ليبيا تورطت في أكثر من 180 حادثة اعتداء مباشر واقتحام مسلح للمستشفيات والمرافق الصحية خلال الفترة الممتدة من 2023 حتى مطلع 2026؛ مما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات الكوادر الطبية واختطاف مسؤولين ونقابيين بشكل تعسفي.