يقف العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي ومصيري يمس جوهر بنيته السياسية والأمنية؛ فبينما تحاول القوى العراقية فتح ملف التعديلات الدستورية لتجاوز عقود من الانسداد السياسي وتكرار أزمات تشكيل الحكومات، تتصاعد في الخلفية المعضلة الأبرز التي تهدد بناء دولة المؤسسات والقانون والمتمثلة في نفوذ الميليشيات المسلحة وانتشار السلاح خارج إطار الدولة.
إن الاستحقاقات الدستورية والأمنية المتداخلة لم تعد مجرد ملفات تفاوضية بين الأحزاب الكبرى، بل تحولت إلى أزمة وجودية تشهدها بغداد والمحافظات في ظل تزايد التقارير الحقوقية والأممية التي ترصد أرقامًا وثقتها جهات دولية حول التجاوزات والانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها الجماعات المسلحة، مما يجعل إصلاح النظام السياسي مرهونًا بمدى القدرة على بسط سيادة القانون وتفكيك المنظومات المسلحة غير النظامية وفق مواقيت حاسمة وضغوط محلية ودولية متزايدة.
دعوة قضائية لمراجعة النصوص الخلافية وأزمات تشكيل الحكومة
وتجددت التجاذبات حول بنية النظام العراقي عقب الدعوة الرسمية التي أطلقها رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين للاستفتاء على الدستور، حيث حث مجلس النواب على مراجعة الأحكام الدستورية الخلافية وإجراء تعديلات جوهرية تعالج الانسدادات الناجمة عن التطبيق العملي منذ عام 2005.
وأوضح زيدان، أن صياغة الدستور جرت في ظروف انتقالية دقيقة أفرزت إشكالات في تفسير المواد المتعلقة بالأغلبيات البرلمانية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتحديد الكتلة النيابية الأكثر عددًا، وهي المسائل التي تسببت مرارًا في شلل مؤسسات الدولة وتعطيل الاستحقاقات الانتخابية.
وشدد القضاء العراقي على أن مراجعة النصوص لا تعني التخلي عن الدستور، بل تمثل ضرورة لتحديث التشريعات وضمان استقرار إدارة السلطة، وهو ما حذر منه زيدان سابقاً حين أشار إلى خطورة التفسيرات المنحازة لمصالح الأطراف النافذة.
ومع ذلك، تتقاطع هذه الدعوات القضائية مع الواقع الميداني المعقد الذي تفرض فيه الجماعات والفصائل المسلحة واقعاً يوازي السلطة الرسمية.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع استكمال التشكيلات الوزارية وسط مخاوف حقيقية من أن تؤدي المحاصصة الحزبية وسطوة السلاح إلى إجهاض أي محاولة إصلاحية حقيقية، حيث تحذر أوساط قانونية وسياسية من أن تعديل النصوص لن يكون كافيًا ما لم يرافقه إغلاق للملفات المعلقة ووضع حد لتدخل الميليشيات في القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية للبلاد.
الفصائل المسلحة وسلاح الدولة: تفاوض ومُهل زمنية لمواجهة الانفلات
في موازاة المسار الدستوري، تخوض بغداد مفاوضات معقدة ومباشرة مع الفصائل والجهات المسلحة لتسليم سلاحها وفق خطة أمنية ومراحل زمنية محددة.
وتأتي هذه الإجراءات بعد أن مددت الحكومة العراقية المهلة النهائية لمعالجة ملف السلاح المنفلت حتى 30 يونيو/حزيران 2027 كحد أقصى.
وكان رئيس الوزراء العراقي قد أكد في بيان رسمي، أن الأول من أكتوبر/تشرين الأول يمثل بداية جادة للالتزام بالاستحقاقات الدستورية التي تنص صراحة على حصر قرار الحرب والسلم بيد السلطات الشرعية والمؤسسات العسكرية الرسمية حصرًا، وتطبيق المبدأ الدستوري الحاظر لأي نشاط عسكري خارج نطاق الدولة.
ورغم إعلان عدد من الجماعات المسلحة التزامها الأولي بالجدول الزمني المحدد لتسليم السلاح، إلا أن التحدي الميداني يظل قائمًا في ظل الامتداد التنفيذي والمالي لتلك الفصائل.
ويرى مراقبون أن إنهاء مظاهر التسلح غير القانوني يُعد شرطًا أساسيًا لأي إصلاح دستوري أو سياسي؛ إذ لا يمكن تحقيق استقرار تشريعي في ظل وجود أجنحة مسلحة تؤثر على النتائج الانتخابية وتفرض أجنداتها بالقوة، مما يجعل معالجة هذا الملف اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة على فرض هيبتها وحماية القرار الوطني المستقل.
وثائق أممية وتقارير حقوقية: أرقام رسمية تكشف انتهاكات الجماعات المسلحة
تتزامن النقاشات حول إصلاح المؤسسات مع تراكم وثائق وتقارير حقوقية دولية وأممية موثقة بالأرقام تؤكد خطورة السلوك المسلح للميليشيات على المجتمع العراقي.
ووفقًا للتقرير الشامل الصادر عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري والموثق رسميًا، فإن العراق شهد تسجيل أعداد ضخمة من حالات التغييب القسري، حيث تقدر البيانات الرسمية والأممية وجود ما بين 250 ألف إلى مليون شخص مفقود جراء الصراعات المتعاقبة وأنظمة القمع وأنشطة المجموعات المسلحة والميليشيات في مناطق النزاع ونقاط التفتيش غير النظامية.
كما أظهر التحديث الصادر عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) بالتشارك مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والمتعلق بالمساءلة والعدالة، مقتل نحو 653 شخصًا وإصابة الآلاف خلال الحراك الشعبي والتظاهرات السلمية، إضافة إلى توثيق عشرات حالات الخطف والتصفية الجسدية والتغييب القسري التي نفذتها عناصر مسلحة استهدفت الناشطين والصحفيين والإعلاميين.
وتوضح هذه المعطيات الرقمية الصادمة حجم التبعات الإنسانية والحقوقية المترتبة على الانفلات الأمني، مما يدفع المنظمات الدولية والمحلية إلى المطالبة بمساءلة المتورطين وإنصاف الضحايا كجزء لا يتجزأ من الاستحقاقات الدستورية والحقوقية.
الترتيبات الأمنية الدولية: الشراكة الثنائية ما بعد انسحاب التحالف
على الصعيد الدولي والإقليمي، اكتمل انسحاب القوات الأمريكية والتحالف الدولي من الأراضي العراقية واختتام عملية “العزم الصلب” رسميًا، لتنتقل العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن إلى أطر ثنائية جديدة.
وأكدت وزارة الخارجية العراقية -في تصريحات رسمية- تطلع البلاد إلى بناء شراكة دفاعية وأمنية ثنائية متينة مع الولايات المتحدة والدول الصديقة، قائمة على الاحترام المتبادل وحماية السيادة الوطنية، بالتزامن مع عقد لقاءات ومباحثات مع وزارتي الخزانة والخارجية الأمريكيين لبحث ملفات التعاون المالي والأمني.

