ذات صلة

جمع

60 مليار دولار في دائرة الخسائر.. كيف كشفت أزمة الملاحة هشاشة الاقتصاد العراقي؟

يدخل العراق نفقًا مظلمًا من الأزمات الاقتصادية والأمنية الهيكلية...

صراع الحقائب السيادية في العراق.. كيف تؤثر التفاهمات السياسية في القرار الأمني؟

يدخل المشهد السياسي والأمني في العراق مرحلة جديدة بليغة...

أسعار الذهب اليوم في عددٍ من الدول العربية — الأحد 18 أكتوبر 2026

يقدّم موقع «العرب مباشر» خدمة يومية محدثة لأسعار الذهب...

أسعار العملات الأجنبية أمام الجنيه المصري اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026

شهدت أسعار صرف العملات الأجنبية والعربية أمام الجنيه المصري،...

من عين حورس إلى الأنفاق البركانية.. أسرار القمر التي شغلت الإنسان آلاف السنين

لم يكن القمر بالنسبة إلى الحضارات القديمة مجرد جرم...

60 مليار دولار في دائرة الخسائر.. كيف كشفت أزمة الملاحة هشاشة الاقتصاد العراقي؟

يدخل العراق نفقًا مظلمًا من الأزمات الاقتصادية والأمنية الهيكلية التي تهدد بانهيار مؤسسات الدولة وانكشاف الاستقرار المجتمعي، إثر تلقي الاقتصاد الوطني ضربة مالية غير مسبوقة تزامنت مع تزايد تغوّل الميليشيات والجماعات المسلحة خارج إطار القانون.

وفي الوقت الذي تكبّدت فيه الخزانة العراقية خسائر فلكية جراء شلل الملاحة وتراجع الصادرات النفطية التي تشكّل شريان الحياة الرئيسي للبلاد، يواجه المواطنون موجات تضخم عاتية وتراجعًا حادًا في القوة الشرائية للدينار.

وتتكامل هذه الكارثة الاقتصادية مع سجل مظلم من الانتهاكات الحقوقية، وتغذّي شبكات الفساد المالي الموازية التي تديرها الميليشيات، مما يضع مستقبل البلاد ومستويات المعيشة لأكثر من 46 مليون مواطن أمام اختبار وجودي حرج، ترصده التقارير الأممية والدولية بالأرقام والتواريخ الموثقة.

خسائر فلكية بقيمة 60 مليار دولار وتراجع الصادرات النفطية

وكشف وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، في تصريحات رسمية صدرت عقب اجتماعه رفيع المستوى في روما مع نظيره الإيطالي، عن حجم النزيف المالي الصادم الذي تعرضت له البلاد؛ حيث تكبّد العراق خسائر إجمالية تُقدّر بنحو 60 مليار دولار أمريكي منذ اندلاع الأزمات العسكرية واضطراب خطوط الملاحة البحرية.

وأوضح البيان الصادر عن مكتب وزير الخارجية أن الشلل شبه التام الذي طال حركة الناقلات النفطية عبر مضيق هرمز تسبب في تعطيل الممر الحيوي لتدفقات الطاقة العالمية، وهو الممر الذي كان ينساب عبره معظم الإنتاج العراقي المعتاد، البالغ نحو 4 ملايين برميل يوميًا.

وأجبر امتلاء الخزانات السلطات النفطية على وقف العمل في معظم الحقول الوطنية، واللجوء إلى تصدير كميات ضئيلة ومحدودة عبر الصهاريج البرية إلى سوريا وخط الأنابيب نحو تركيا، قبل أن تسجل الصادرات تعافيًا جزئيًا خجولًا، ليصل المتوسط إلى 2.6 مليون برميل يوميًا.

تراجع الاحتياطي الأجنبي وتخفيض سعر صرف الدينار العراقي

وأدى انحسار العوائد النفطية، التي تؤمّن أكثر من 90 في المائة من إيرادات الموازنة العامة، إلى لجوء الحكومة العراقية إلى خيارات الاقتراض الداخلي القاسية لتغطية النفقات التشغيلية. وأسفرت هذه الفجوة المالية عن هبوط حاد في احتياطيات البنك المركزي العراقي من العملات الأجنبية بنحو 20 مليار دولار، مما دفع البنك المركزي، الأسبوع الماضي، إلى اتخاذ قرار برفع السعر الرسمي لصرف الدولار لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

وألقت هذه الخطوة بظلالها الثقيلة على أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية الأساسية، مما هدد مباشرة قدرة الأسر على تأمين القوت اليومي، وتحديدًا شريحة موظفي القطاع العام والمتقاعدين، الذين يمثلون زهاء 20 في المائة من إجمالي السكان. ويتعارض ذلك مع رؤية السلطات الطموحة لرفع الإيرادات غير النفطية من 10 إلى 45 في المائة بحلول عام 2037.

تقارير صندوق النقد والبنك الدوليين تحذر من الانكماش

وصنّف صندوق النقد الدولي، في تقييماته الاقتصادية الحديثة الصادرة لعام 2026، العراق ضمن الدول الأكثر تضررًا من اضطرابات حركة النقل وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

وأكدت التقارير الصادرة عن البنك الدولي أن الاعتماد الهيكلي المفرط على الإيرادات النفطية الهشة وضعف التنويع الاقتصادي يضاعفان المخاطر المالية الهيكلية، مشيرة إلى أن استمرار عجز الموازنة وتضخم الفاتورة التشغيلية سيعطلان مشروعات البنية التحتية والخدمات الاجتماعية بالكامل.

وأوضح الخبراء الدوليون أن فقدان 60 مليار دولار في غضون أشهر معدودة يستنزف الاحتياطيات الأجنبية ويضع الدينار العراقي تحت ضغوط متواصلة لخفض قيمته.

جرائم الميليشيات والانتهاكات الموثقة في التقارير الأممية

وترتبط الكارثة الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا بالواقع الأمني المتردي وتعاظم نفوذ الميليشيات والمجموعات المسلحة غير النظامية التي تفرض هيمنتها على المعابر والمنشآت الحيوية.

وتوثق التقارير الحديثة الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لعام 2026 استمرار الميليشيات في ممارسة أعمال الترهيب والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري بحق الناشطين والصحفيين الذين يحاولون فتح ملفات الفساد وتتبع عمليات التهريب المالي.

وأكدت البعثة الأممية أن السلاح المنفلت وغياب الحماية القانونية الكاملة للمؤسسات القضائية يشكلان العائق الأكبر أمام فرض سيادة القانون واستعادة ثقة المستثمرين الأجانب.

تهريب العملة وغسل الأموال تحت مظلة الجماعات المسلحة

وتكشف التقارير الموثقة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ومنظمات تقصي الحقائق لعام 2026 عن آليات معقدة تديرها شبكات موازية تابعة للميليشيات لتهريب العملة الصعبة والنقد الأجنبي عبر المنافذ الحدودية وشركات الصرافة الواجهة.

وأوضحت البيانات الحقوقية أن هذه الفصائل المسلحة تستغل الأزمة الاقتصادية وتراجع الرقابة الحكومية لمضاعفة مكاسبها غير المشروعة عبر السيطرة على العطاءات العامة، وفرض الإتاوات القسرية على التجار والشركات المحلية، مما يعمّق أزمة شح الدولار داخل الأسواق ويحرم الدولة من إيرادات جمركية وضريبية طائلة.

توثيق هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية لجرائم القمع والتهجير

وتسلط المنظمات الحقوقية المرموقة، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، الضوء في تقاريرها لعام 2026 على الانتهاكات الصارخة التي تقترفها الميليشيات المسلحة في المناطق المحررة وأطراف المدن؛ حيث توثق التقارير استمرار عمليات التهجير القسري والاستيلاء على أراضي المواطنين وممتلكاتهم، فضلًا عن إدارة السجون السرية التي يُحتجز فيها الآلاف دون توجيه تهم إليهم أو إخضاعهم لمحاكمات عادلة.

وتشدد المنظمات الدولية على أن استئثار الفصائل المسلحة بالموارد الاقتصادية والقرارات الأمنية يُكرّس دولة داخل الدولة ويُجهض كافة جهود الإصلاح والتنمية الإدارية والمجتمعية.

مسارات الإنقاذ ومتطلبات كبح نفوذ الميليشيات وإصلاح الاقتصاد

ويجمع المحللون الاقتصاديون والسياسيون على أن الخروج من أزمة الـ60 مليار دولار وتداعيات خفض قيمة الدينار يستوجب وضع استراتيجية وطنية شاملة تقوم على تجفيف منابع فساد الميليشيات، وبسط السيطرة المطلقة للدولة على كافة المعابر والموانئ الجوية والبحرية والبرية. ويظل نجاح العراق في استعادة عافيته الاقتصادية والمالية مرهونًا بتفكيك التشكيلات العصابية، وتفعيل أجهزة مكافحة غسل الأموال، وحماية احتياطيات النقد الأجنبي، بالتوازي مع توفير بيئة أمنية وقانونية عادلة تضمن صون حقوق الإنسان وحماية أرواح كافة أبناء الشعب العراقي وكرامتهم.