في خطوة تكشف عمق الجمود الميداني وتنسخ تفاهمات الاستقرار الإقليمية عقب اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2025، تصطدم مساعي تثبيت الأمن وإصلاح قطاع غزة المنهك بقرار إسرائيلي حاسم يرفض المضي قدمًا في مشروع إنشاء أول موقع مخصص لـ “قوة الاستقرار الدولية”.
هذه القوة المزمع نشرها بتفويض أممي وتحت مظلة “مجلس السلام” الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تعاني اليوم شللاً كاملاً قبل البدء الفعلي لمهامها الميدانية؛ نتيجة منع دخول الشاحنات والمهندسين وإغلاق المعابر الحدودية بوجه الشركات المنفذة.
وتأتي هذه العرقلة الإسرائيلية الممنهجة لتضع مستقبل خطة إدخال المساعدات الإغاثية ومعدات البناء في مهب الريح، بينما يواصل قطاع غزة غرقًا مأساويًا في أتون القصف المستمر والتدمير الشامل للبنى التحتية والكوارث الإنسانية المتفاقمة التي توثقها المؤسسات الحقوقية والأممية يوميًا.
الرفض الإسرائيلي لإنشاء موقع القوة الدولية وتعطيل عقد “أركل إنترناشيونال”
كشفت تقارير إعلامية بريطانية موثقة صادر عن صحيفة “الغارديان” عن تفاصيل الأزمة الدبلوماسية والأمنية الدائرة خلف الكواليس بين الحكومة الإسرائيلية وقيادة “مجلس السلام” الدولي.
وأفادت المصادر بأن المجلس الأصلي، المصنّف كمنظمة دولية أُنشئت في عام 2025 بتفويض من الأمم المتحدة، أصدر في أوائل أغسطس/آب الماضي أول عقد إنشائي له في القطاع لصالح شركة “أركل إنترناشيونال” الواقعة في ولاية لويزيانا الأمريكية.
وكان العقد يقضي بإنشاء موقع مؤقت ومستقل لدعم المهام الميدانية يُخصص لإيواء 150 جنديًا دوليًا كطليعة لوجستية مجهزة لتأمين قوة الاستقرار الشاملة المكونة من 500 فرد.
ورغم مرور أكثر من شهرين على التوقيع، تشير المعطيات الميدانية إلى أن تل أبيب ترفض فتح الحدود وتمنع المقاولين ومعدات البناء من الدخول، متذرعة بحسابات أمنية وسياسية تسبق انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر الجاري.
تداعيات التعطيل على مشاريع الإعمار وبرامج الدعم الإنساني بغزة
ويُحذر المسؤولون والخبراء المطلعون على ملف “مجلس السلام” من أن الرفض الإسرائيلي المتواصل للترخيص بالموقع الإنشائي سيعطل بالكامل انطلاق كافة البرامج الإغاثية والإنمائية المقرر تنفيذها داخل قطاع غزة.
وكان الموقع المحدد يُفترض أن يُقام على مساحة تقدر بـ 100 متر في 100 متر، في العقار السابق الذي كان يتبع لـ “مؤسسة غزة الإنسانية” المتوقفة عن العمل.
ويرى القائمون على المشروعات الدولية أنه لا يمكن البدء في أدنى مراحل إعادة الإعمار أو إدخال المعدات الثقيلة وتأمين الأطقم الهندسية والمساعدات الأساسية في ظل غياب “قوة استقرار دولية” تحمي العمليات وتضمن سلامة العاملين.
وبذلك، تحول إغلاق المعابر دون وضع أولى اللبنات التحتية لإعادة بناء القطاع المتضرر، مع تعليق آمال آلاف الأسر النازحة على أي انفراجة مرتقبة قبل الموعد الانتخابي الإسرائيلي.
الخروقات الميدانية للهدنة واستمرار القصف الجوي على المدنيين
لا ينفصل المأزق اللوجستي للقوة الدولية عن واقع الهدنة الهشة التي يعيشها قطاع غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر2025؛ إذ تؤكد التحديثات الميدانية استمرار الجانب الإسرائيلي في تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي متكرر على مختلف مناطق القطاع.
وأدت هذه الاعتداءات المستمرة إلى سقوط المئات من القتلى والجرحى الجدد منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، مما ينقض التعهدات الدولية بشأن تهدئة الأوضاع.
وجاءت هذه الأزمة لتسلط الضوء مجددًا على تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، الذي اعتبر حرب غزة واحدة من ثماني حروب يدّعي النجاح في تسويتها، معربًا عن استيائه من عدم نيله جائزة نوبل للسلام، في وقت يواجه فيه مشروعه الرئيسي “مجلس السلام” حائطًا مسدودًا بسبب تعنت حليفه الإسرائيلي في الميدان.
الأرقام الموثقة للكارثة الإنسانية والضحايا في التقارير الأممية
وتؤكد البيانات الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والتحديثات الرسمية الصادرة في سبتمبر وتشرين الأول 2026، أن حصيلة الحرب والإبادة على قطاع غزة تجاوزت 75 ألف قتيل فلسطيني، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال، فضلاً عن عشرات الآلاف من المفقودين تحت الأنقاض والركام.
وتعود جذور هذا الانفجار العسكري الشامل إلى الهجوم المباغت الذي شنته حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 إسرائيلي واختطاف 250 آخرين أُفرج عن معظمهم لاحقًا في صفقات تبادل أسرى.
تدمير البنية التحتية وأزمة النازحين حسب تقارير OCHA
وتُظهر التقييمات الميدانية الحديثة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2026، أن الحرب أدت إلى نزوح نحو مليوني شخص داخليًا، يعيش أكثر من 13% منهم في خيام ومراكز إيواء مهددة بالفيضانات والغرق مع اقتراب فصل الشتاء.
وتؤكد التقارير الأممية، أن العمليات العسكرية أخرجت كافة محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست عن الخدمة، مع تضرر 70% من محطات الضخ، مما يتسبب في تدفق أكثر من 150 ألف متر مكعب من المياه العادمة يوميًا نحو الأحياء السكنية والشواطئ، مسببة أزمات صحية وانتشارًا للأوبئة الخطيرة بين العائلات النازحة في دير البلاح وخان يونس ومدينة غزة.
قيود المعابر والحظر الإسرائيلي الممنهج على مواد البناء
وتستند المنظمات الحقوقية الدولية، مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إلى تقارير موثقة تعكس حجم الحصار الإسرائيلي المفروض على دخول المساعدات والمستلزمات الطبية ومعدات البناء.
وتفيد البيانات لعام 2026، بأن الإغلاق المستمر لمعبري رفح وكرم أبو سالم، وحظر دخول الشاحنات التابعة لشركات المقاولات الدولية كشركة “أركل إنترناشونال”، يُمثلان استخدامًا صريحًا لسياسة العقاب الجماعي ومنع التعافي المبكر.
وتوضح التقارير، أن إعاقة القوة الدولية تهدف للقيام بتنفيذ مخططات التضييق على السكان وتعميق الكارثة الإنسانية لمنع أي استقرار سياسي أو أمني مستقل داخل قطاع غزة خارج السيطرة المباشرة لسلطات الاحتلال.
إن استمرار تل أبيب في تعطيل نشر قوة الاستقرار الدولية سيؤدي إلى انهيار كامل لتفاهمات وقف إطلاق النار وفرص إعادة الإعمار، مما يهدد بانفجار ميداني جديد.
ويطالب المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية بضرورة ممارسة ضغوط جادة على الحكومة الإسرائيلية لفتح المعابر المغلقة فورًا، والسماح للشركات الدولية بالبدء في إنشاء المواقع الإيقاعية والتنفيذية، كشرط أساسي لإنقاذ أرواح مليوني نازح وحماية الأمن والسلم في المنطقة.

