تعود المأساة المعيشية في سوريا لتتصدر واجهة المشهد الإنساني والاقتصادي بملامح قاسية تنذر بشتاء قارس وصعب، تتداخل فيه صدمات انهيار قيمة العملة الوطنية مع أزمات حادة في تأمين المشتقات النفطية والمحروقات.
وفي ظل تراجع القدرة الشرائية وتفاقم معدلات التضخم، تتكشف يوميًا وجوه جديدة للمعاناة، ترسمها مشاهد بائسة، كالأطفال الذين يجمعون روث الحيوانات لاستخدامه وقودًا للتدفئة البدائية، بالتوازي مع تفجر فضائح «البنزين المغشوش» وارتفاع أسعار المازوت بنسب قياسية أرهقت كاهل العائلات المنهكة أصلًا بسنوات الحرب والتهجير.
طفلة الحسكة وجمع روث الحيوانات.. أزمة تدفئة تفتح جراح التهجير
وأيقظ مقطع فيديو متداول على نطاق واسع لطفلة في ريف محافظة الحسكة الشمالي الشرقي، وهي تجمع روث الحيوانات من الأراضي الزراعية لتحويله إلى وقود «الجلة» للتدفئة، ذكريات مؤلمة لسنوات الحرب والبرد القارس لدى ملايين السوريين.
وشهدت الأسواق السورية هزة اقتصادية حادة عقب إعلان وزارة الطاقة السورية، في سبتمبر/أيلول الماضي، رفع أسعار المازوت والمشتقات النفطية بنسبة بلغت 40 في المائة، حيث حُدد سعر لتر المازوت (الديزل) بـ175 ليرة سورية، مرتفعًا من 125 ليرة، قبل أن تطرح الحكومة لاحقًا مازوتًا مدعومًا أقل جودة بسعر 115 ليرة.
وأدى هذا القرار التضخمي إلى تراجع إضافي وملموس في قيمة الليرة السورية أمام الدولار، لتتجاوز حاجز 141 ليرة. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، كشف عدي الصطوف، مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول، عن رفض تفريغ ناقلتي مازوت لمخالفتهما الشروط المطلوبة، والبدء بربط ناقلة بسعة 16 ألف طن وتفريغها في مستودعات ميناء بانياس لتلبية الطلب المتزايد مع اقتراب فصل الشتاء، بالتنسيق مع مصفاة حمص لزيادة الإنتاج وضخ المادة في المحافظات.
فضائح «البنزين المغشوش» وخسائر فادحة لأصحاب المركبات
ولم تقتصر أزمات الوقود على نقص المازوت، بل تفاقمت منذ مطلع الشهر الحالي أزمة غير مسبوقة تمثلت في طرح كميات من «البنزين المغشوش» في الأسواق المحلية، تزامنًا مع رفع أسعار البنزين أوكتان 90 إلى 185 ليرة، وأوكتان 95 إلى 195 ليرة.
وأحدثت هذه المادة التالفة أضرارًا جسيمة وأعطالًا ميكانيكية بالغة في محركات سيارات المواطنين، حيث صرح المواطن فادي الأكرم، من ورشة تصليح بدمشق، بأن خسارته الأولية تجاوزت مليوني ليرة ثمنًا للبنزين التالف، فضلًا عن تكاليف إصلاح المضخات التي قد تصل إلى خمسة ملايين ليرة.
وأثارت هذه «الكارثة» انتقادات نيابية واسعة؛ إذ طالب عضو لجنة المحروقات في مجلس الشعب، خالد جمال الخلف، بإقالة مدير الشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، ومحاسبته، محملًا إياه المسؤولية الكاملة عن الأضرار.
ورغم تأكيد شركة «سادكوب» سحب الكميات المغشوشة من محطات القطاع الحكومي وبدء التحقيقات، فإن غياب النتائج الحاسمة أبقى مشاعر القلق والغضب سائدة في الشارع.
تقارير أممية توثق الكارثة الإنسانية وتفشي الفقر المدقع
وتتقاطع تفاصيل الأزمة المعيشية والنفطية في سوريا مع أرقام صادمة أوردتها التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2026، والتي أفادت بأن أكثر من 16.7 مليون شخص داخل البلاد بحاجة ماسة ومباشرة إلى المساعدات الإنسانية العاجلة.
وأكدت تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر الشديد، ويواجهون صعوبات بالغة في تأمين لقمة العيش ووسائل التدفئة والكهرباء.
وتوضح البيانات الأممية أن انهيار البنية التحتية الأساسية وغياب الخدمات الصحية والتعليمية في معظم المحافظات يحولان دون التعافي المبكر، ويتركان الملايين عرضة لمخاطر البرد القارس وانعدام الأمن الغذائي.
انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور الأوضاع المعيشية
وتؤكد التقارير الصادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش لعام 2026 أن الأزمات الاقتصادية المفتعلة وسياسات إدارة الموارد المتدهورة تزيد من معاناة الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما النازحين في المخيمات العشوائية شمالي سوريا وشرقيها.
وتوثق المنظمات الحقوقية استمرار القيود المفروضة على وصول الإغاثة الإنسانية، والتضييق على حرية التعبير للناشطين والصحفيين الذين يحاولون تسليط الضوء على فشل الأجهزة الحكومية في توفير الخدمات الأساسية.
وتشدد التقارير على أن غياب المحاسبة الفاعلة للجهات المتورطة في ملفات الفساد وتوريد المواد المغشوشة يكرس حالة الإفلات من العقاب، ويزيد من تقويض الاستقرار المجتمعي.
التبعات الاقتصادية لغياب التنمية وتراجع الخدمات الأساسية
وتُظهر البيانات الاقتصادية الصادرة عن البنك الدولي أن الاقتصاد السوري يعاني من انكماش هيكلي حاد وتراجع متواصل في إيرادات النقد الأجنبي، مما يعطل أي خطط حقيقية لإعادة الإعمار أو تحسين قطاع الطاقة الكهربائية والنفطية.
ويفيد الخبراء الاقتصاديون بأن اعتماد السلطات على سياسات ترقيعية لرفع أسعار المحروقات دون دعم الطبقات الفقيرة يفاقم اتساع الفجوة الطبقية، ويدفع بمزيد من الأسر نحو الفقر المدقع.
ويجعل استمرار تراجع قيمة الليرة وضعف القوة الشرائية تأمين أبسط مقومات الحياة الأساسية، مثل الغذاء والدواء والتدفئة، حلمًا بعيد المنال للمواطن السوري.
كما تتطلب المرحلة تكاتف الجهود الدولية والأممية لضمان تدفق المساعدات الإغاثية دون عوائق، وتوفير الدعم المالي للقطاعات الحيوية لإنقاذ ملايين المدنيين من كارثة الشتاء والفقر المدقع، وتهيئة الظروف الملائمة لعودة آمنة ومستدامة للنازحين واللاجئين.

