ذات صلة

جمع

بوتين ينقل رؤية إيران إلى ترامب.. وموسكو تطرح مجددًا حل اليورانيوم المخصب

تحركت موسكو مجددًا على خط الوساطة بين واشنطن وطهران،...

إثيوبيا تُلوح بالخيار العسكري.. رسالة إلى مجلس الأمن وتصعيد متسارع مع إريتريا

دخلت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا مرحلة جديدة من التوتر،...

أسعار العملات اليوم السبت 10 أكتوبر 2026 مقابل الجنيه المصري

تواصل أسعار العملات الأجنبية والعربية تحركاتها أمام الجنيه المصري،...

جنوب لبنان على خط التماس.. لماذا يمثل بقاء «اليونيفيل» حائط الصد الأخير أمام الفوضى المسلحة؟

يقف لبنان اليوم عند أخطر مفترق طرق سياسي وأمني في تاريخه الحديث، بين مطرقة الاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي المستمر لأراضيه وسندان تغول الميليشيات وسلاحها المنفلت الذي أجهز على مفاصل الدولة الوطنية وأضعف مؤسساتها الرسمية لسنوات طويلة.

وفي لحظة فارقة تتسارع فيها التحولات الجيوسياسية على طول الشريط الحدودي الجنوبي، يخيّم شبح الفراغ الميداني الشامل مع اقتراب الأجل المحدد لإنهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» بموجب القرار الدولي رقم 2790.

هذا التطور الميداني الخطير استدعى استنفارًا برلمانيًا وحقوقيًا غير مسبوق في العاصمة بيروت، حيث انطلقت صرخة تحذير نيابية مدوية تشدد على أن أي انسحاب للقبعات الزرقاء قبل إنجاز الانسحاب الإسرائيلي الكامل وتمكين الجيش اللبناني حكرًا من بسط سلطته الفعلية والحصرية، لن يعني سوى تسليم الجنوب مجددًا لسلطة الأمر الواقع ودفع البلاد نحو آتون فوضى أمنية وإنسانية لا يُحمد عقباها.

التحرك البرلماني وتطويق مخاطر القرار 2790

وشهد مقر مجلس النواب اللبناني في وسط بيروت مؤتمرًا صحافيًا حاسمًا عقدته مجموعة من النواب تضمنت ملحم خلف، وفراس حمدان، وميشال موسى، ونجاة عون، وبولا يعقوبيان، وعدنان طرابلسي، وإبراهيم منيمنة، في خطوة تنفيذية لمبادرة حقوقية وسياسية حظيت بتوقيع 86 نائبًا يمثلون شرائح واسعة من الطيف النيابي.

وجاء هذا التحرك ليدق ناقوس الخطر إزاء التداعيات المباشرة للقرار الأممي 2790 الذي قضى بإنهاء ولاية «اليونيفيل» بحلول نهاية ديسمبر من عام 2026، تمديدًا لانسحاب تدريجي يمتد على مدار عام كامل.

وقد أوضح النائب ملحم خلف أن الجنوب اللبناني بات أمام خطر داهم يستوجب تحركًا عاجلاً وعدم الانتظار حتى وقوع الكارثة، مشددًا على أن المذكرة الحقوقية الصادرة عن النواب تُطالب مجلس الأمن الدولي بإعادة النظر الفورية في التوقيت والآليات النظريتين المقررتين للانسحاب، بما يضمن صيانة السيادة الوطنية وعدم إحداث خلل في موازين القوى الميدانية على الأرض.

وتكمن المحورية الأساسية في الموقف النيابي في المطالبة الصريحة بإبقاء قوات «اليونيفيل» وتعزيز فاعليتها وتطوير آليات عملها الميداني إلى حين تمكن المؤسسة العسكرية اللبنانية من أداء دورها الميداني كاملاً.

وأكد النواب في هذا السياق، أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال تسليم أية مراكز أو مواقع تابعة للقوة الدولية إلا للجيش اللبناني حصرًا ودون غيره من أي تنظيمات أو جماعات مسلحة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن عملية نقل المسؤوليات الأمنية تتطلب توافر قدرة تنفيذية ولوجستية حقيقية تمكّن المؤسسة العسكرية من الوصول إلى نقاط التماس، وتأمينها، والاستقرار فيها بصفة دائمة وقاطعة، وذلك لقطع الطريق أمام أي محاولات للاستحواذ على هذه المواقع الحساسة من قبل الميليشيات القائمة.

تغول الميليشيات وخطورة الفراغ الميداني في الجنوب

إن المخاوف العميقة التي عبر عنها التكتل النيابي تنبع من إدراك دقيق لواقع الأزمات المركبة التي يمر بها لبنان، وفي مقدمتها معضلة السلاح غير الشرعي وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة والشرعية والقانون.

وحذر النواب من أن إخلاء نقاط «اليونيفيل» في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وفي حال تعذر انتشار الجيش اللبناني بالشكل المطلوب في بعض المناطق المعقدة، سيؤدي حتمًا إلى خلق «فراغ أمني بالغ الخطورة».

هذا الفراغ الميداني يشكل بيئة مثالية للميليشيات لإعادة ترتيب أوراقها وفرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة، مما ينسف أي جهود مستقبلية تهدف إلى بسط السلطة الفعلية للدولة وحصر السلاح والمقومات الدفاعية بيد المؤسسات الرسمية والشرعية وحده.

كما تطرقت المذكرة النيابية بالتفصيل إلى الدور الحيوي والمزدوج الذي تلعبه القوة الدولية في الجنوب اللبناني، حيث لا يقتصر وجودها على الجوانب العسكرية والعملياتية فحسب، بل يمتد ليشمل شريان حياة أمني وإنساني متكامل.

فمن الناحية الأمنية، تشكل «اليونيفيل» قناة التنسيق والوساطة الدولية الوحيدة التي تسهم في احتواء الحوادث الحدودية وتفادي الاحتكاك المباشر اليومي والصدامات المسلحة التي قد تتحول سريعًا إلى مواجهات واسعة النطاق.

أما من الناحية الإنسانية، فإن وجود القبعات الزرقاء يلعب دورًا جوهريًا في حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الطبية والغذائية، ومواكبة الحركة اليومية لسكان القرى الحدودية التي تعاني من قيود أمنية مشددة، وهو ما يعني أن الانسحاب غير المدروس سيفرض عزلة إنسانية وأمنية خانقة على آلاف العائلات اللبنانية.

مسار المذكرة الحقوقية وسيناريوهات استعادة السيادة الوطنية

وأكد التحرك النيابي، أن جدولة انسحاب القوات الدولية يجب أن ترتبط شرطيًا وبصورة لا تقبل التأويل بـ «تقييم أممي موثق» يثبت وقوع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، ويتأكد من جاهزية الجيش اللبناني للانتشار والسيطرة الكاملة، فضلاً عن ضمان سلامة المدنيين وحرية الحركة في كافة المناطق الحدودية.

وتقرر رسميًا تسليم هذه المذكرة إلى الرؤساء الثلاثة: رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، بالإضافة إلى وزير الداخلية أحمد الحجار، وإلى دولة اليونان التي تتولى رئاسة مجلس الأمن الدولي لهذا الشهر، إلى جانب الأمانة العامة للأمم المتحدة.

وتصب هذه المبادرة النيابية الشاملة في اتجاه واحد لا يتجزأ: منع جعل انسحاب قوات «اليونيفيل» مدخلاً لتثبيت الاحتلال الإسرائيلي من جهة، أو فرصة تاريخية للميليشيات لتثبيت سلطتها وسلاحها خارج نطاق القانون والدولة من جهة أخرى.

إن استعادة تعافي لبنان وحماية حدوده وصون كرامة مواطنيه تقتضي تكاتفًا دوليًا ووطنيًا حازمًا يعيد الاعتبار للمؤسسة العسكرية اللبنانية بصفتها الحامي الوحيد للسيادة الوطنية والضامن الحقيقي لاستقرار الجنوب وكافة الأراضي اللبنانية.