ذات صلة

جمع

وثائق أممية وتحديات أمنية.. لماذا أصبح حصر السلاح أولوية في العراق؟

يقف العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي يُعيد تشكيل...

تاكو الدجاج بالهالبينو.. وصفة مكسيكية سهلة وسريعة في دقائق

تتميز الأطباق المكسيكية بطابعها الحيوي وألوانها المميزة ونكهاتها الجريئة...

فطار صحي للأطفال.. 7 أفكار سهلة بأشكال مرحة تفتح شهيتهم

تعد وجبة الإفطار من الوجبات الأساسية التي تمنح الأطفال...

الحرس الثوري يعلن انسحاب السفن الأميركية من هرمز.. ومؤشرات الملاحة تقول شيئًا آخر

أعلن الحرس الثوري الإيراني أن القوات الأميركية ابتعدت أكثر...

استنفار أميركي في إسرائيل.. 3000 جندي واستعدادات لاحتمال التصعيد مع إيران

تتجه إسرائيل والولايات المتحدة إلى تعزيز مستوى الجاهزية العسكرية...

وثائق أممية وتحديات أمنية.. لماذا أصبح حصر السلاح أولوية في العراق؟

يقف العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي يُعيد تشكيل معادلة الأمن والسيادة الوطنية برمتها؛ فبينما تُطوى صفحة مهمة التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش” رسميًا بعد نحو اثني عشر عامًا من العمليات الميدانية، تتدفق الاستحقاقات الدستورية والأمنية المؤجلة إلى واجهة المشهد السياسي والاجتماعي العراقي.

لم تعد قضية انتشار السلاح خارج إطار الدولة مجرد ملف سياسي خاضع للمساومات العابرة بين القوى المختلفة، بل تحولت إلى معضلة وجودية تهدد استقرار البلاد وتُكبّل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية.

خطة حكومية حازمة لحصر السلاح وضبط الفصائل وفق جدول زمني حاسم

وفي خطوة يُنظر إليها على أنها الأكثر جرأة ضمن مسار إعادة بناء الدولة المؤسسية، فتحت الحكومة العراقية ملف التجهيزات والعتاد العسكري الموزع خارج نطاق الأجهزة الأمنية والعسكرية النظامية.

وأكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، في تصريحات رسمية رفيعة المستوى، أن الحكومة تخوض مفاوضات مكثفة ومباشرة مع الجهات والفصائل المسلحة لتسليم سلاحها وفق جدول زمني محدد وخطة ثابتة ومدروسة.

وأوضح حسين أن هناك توافقًا واسعًا داخل أروقة الحكومة والقيادات السياسية حول ضرورة إنهاء هذه الظاهرة وتوحيد القرار العسكري، معربًا عن توقعاته المباشرة بامتثال هذه الجهات للتفاهمات الجارية.

وتُوّجت هذه التحركات الرسمية بإعلان رئيس الوزراء علي الزيدي، في بيان رسمي أصدره يوم الخميس، اعتبار الأول من أكتوبر/تشرين الأول بداية جادة ومفصلية لمعالجة ملف السلاح خارج سيطرة الدولة، مع التزام تام بالاستحقاقات الدستورية التي تنص على حصر قرار الحرب والسلم بيد السلطات الشرعية حصرًا، وذلك وفق خارطة طريق جرى التوافق عليها لا تتجاوز مهلتها النهائية يوم 30 يونيو/حزيران 2027.

وقد قوبلت هذه الخطة بترحيب حكومي واسع عقب إعلان عدة فصائل عراقية التزامها الأولي بالجدول الزمني المتفق عليه لتسليم السلاح، مما يعكس تحولًا ملموسًا ونوعيًا نحو تعزيز سلطة القانون فوق أي اعتبار فئوي أو حزبي.

وثائق أممية وتقارير حقوقية: أرقام صادمة وتجاوزات الفصائل المسلحة

تأتي هذه التحركات السياسية والأمنية في وقت تتراكم فيه الشهادات والأدلة الدامغة التي وثقتها المنظمات الدولية والأممية حول الممارسات غير القانونية والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها عناصر الميليشيات والفصائل غير الخاضعة للسيطرة المباشرة.

ووفقًا للتقرير الشامل الصادر عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري عقب زيارتها الميدانية الشاملة للعراق تحت الوثيقة الأممية رقم (CED/C/IRQ/VR/1)، فإن العراق شهد على مدى العقود الماضية تسجيل أعداد هائلة من حالات الاختفاء القسري، حيث تُقدّر الأرقام الرسمية والأممية وجود ما بين 250 ألفًا إلى مليون شخص مفقود، ارتبطت أعداد كبيرة منها بأنشطة المجموعات المسلحة والميليشيات في مناطق النزاع ونقاط التفتيش غير النظامية.

كما أشار تحديث بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، المتعلق بالمساءلة والعدالة، إلى مقتل نحو 653 شخصًا وإصابة الآلاف خلال الاحتجاجات الشعبية، مع تسجيل عشرات حالات الخطف والتغييب القسري والتصفية الجسدية المباشرة التي نفذتها عناصر مسلحة غير محددة، استهدفت الناشطين والإعلاميين والمتظاهرين السلميين.

وتُظهر هذه المعطيات الرقمية حجم التحدي الحقوقي والإنساني الكبير الذي يخلفه انتشار السلاح المنفلت، مما يجعل عملية نزعه شرطًا جوهريًا وأساسيًا لتحقيق العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا وذويهم ومحاسبة المتورطين أمام العدالة.

طي صفحة “العزم الصلب”: الانسحاب الأمريكي الكامل وبناء شراكة دفاعية ثنائية

وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، اكتملت الأربعاء عملية انسحاب القوات الأمريكية المتبقية من قاعدة أربيل ومختلف القواعد العراقية، لتعلن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” رسميًا اختتام عملية “العزم الصلب” في العراق بعد نحو 12 عامًا من انطلاق مهام التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش”.

هذا التحول الاستراتيجي والتاريخي يعيد صياغة العلاقات الأمنية والعسكرية بين بغداد وواشنطن؛ إذ أوضح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أن مغادرة قوات التحالف تفتح الباب واسعًا لتأسيس شراكة دفاعية ثنائية متينة ومستدامة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل مع الدول الصديقة والشريكة الأخرى.

ومن المقرر أن يخوض المسؤولون العراقيون اجتماعات مكثفة ورفيعة المستوى في العاصمة الأمريكية واشنطن مع مسؤولين بارزين من وزارتي الخزانة والخارجية الأمريكيتين لبحث أطر التعاون الاقتصادي والأمني والعسكري المستقبلي، والتأكيد على أن الانتقال من مظلة التحالف الدولي إلى الترتيبات الثنائية المباشرة يعزز السيادة الوطنية العراقية ويضمن حماية الحدود والأراضي ومؤسسات الدولة العسكرية وفق أطر قانونية ودولية موثوقة.

التحديات الميدانية والضمانات السياسية لمستقبل نزع السلاح وبناء الدولة

بالرغم من الإيجابية والارتياح اللذين يحيطان بالبيانات الرسمية وجداول التسليم الممتدة حتى منتصف عام 2027، يظل الرهان الحقيقي والميداني مرهونًا بمدى استجابة الأجنحة العسكرية والمالية التابعة للفصائل للقرارات الحكومية الملزمة.

فالكثير من هذه الجماعات يمتلك نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا متغلغلًا في بعض مؤسسات القطاع العام والمنافذ والمشاريع، وهو ما يُصعّب عملية تجريدها السريع من الترسانات العسكرية الثقيلة والمتوسطة دون وجود إرادة سياسية صلبة.

ويرى خبراء ومراقبون للشأن العراقي أن نجاح خطة رئيس الوزراء يتطلب فرض آليات رقابية صارمة بدعم مباشر من القضاء العراقي، وتفكيك المعسكرات والمقرات غير النظامية، فضلًا عن إنهاء كافة أشكال التجاوزات الأمنية والانتهاكات الموثقة في التقارير الدولية الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان، مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.

إن تحويل التعهدات والقرارات السياسية بحظر وتجميع السلاح إلى واقع عملي ملموس يُعد السبيل الوحيد لإعادة بناء دولة المؤسسات والقانون، وتعزيز ثقة الشارع العراقي والمجتمع الدولي في قدرة بغداد على إدارة ملفاتها الأمنية والسياسية بذكاء وسيادة واقتدار تام.

المستقبل الأمني للعراق: بين نفوذ الفصائل واستحقاق الدولة الوطنية

إن التجربة التاريخية للعراق تؤكد أن حصر السلاح بيد الدولة لا يمكن أن يتحقق بالكامل عبر الوعود والبيانات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى منظومة أمنية متكاملة وقادرة على فرض الهيبة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

ومع استكمال خروج قوات التحالف الدولي وتحول العلاقات الأمنية إلى أطر ثنائية، يجد العراق نفسه أمام فرصة نادرة لإعادة هيكلة قدراته الدفاعية والاستخباراتية الذاتية.

إن تفعيل خارطة الطريق الحكومية حتى يونيو/حزيران 2027 وسحب السلاح الثقيل والمتوسط من الفصائل سيُسهم بلا شك في الحد من مظاهر الانفلات الأمني والتأثير غير المشروع على نتائج الاستحقاقات الانتخابية والسياسية المقبلة.

وفي نهاية المطاف، فإن نجاح هذه التجربة سيمهد الطريق لاستقرار اقتصادي وتنموي يجذب الاستثمارات الخارجية ويحقق تطلعات المواطنين في العيش بكرامة وأمان داخل وطن يتساوى فيه الجميع أمام سيادة القانون والمؤسسات الوطنية.