في الوقت الذي ترزح فيه البلاد تحت وطأة أسوأ أزمة إنسانية ومعيشية عرفتها المنطقة، تواصل مليشيات الحوثي حربها المدمرة التي استهدفت البنية التحتية ومفاصل الاقتصاد الوطني؛ مما أدى إلى انهيار مروع في سوق العمل وتراجع غير مسبوق في فرص التوظيف.
وتكشف التقارير الصادرة عن منظمات دولية وأممية بارزة، من بينها منظمة العمل الدولية والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عن واقع كارثي يرزح تحت وطأته ملايين اليمنيين، حيث باتت البطالة والفقر المدقع سمة بارزة للحياة اليومية بفعل الممارسات التعسفية والسياسات المدمرة التي تنتهجها الميليشيات الإرهابية منذ انقلابها على السلطة الشرعية.
تقارير أممية توثق عجز سوق العمل عن استيعاب الشباب
تشير الإحصاءات والأرقام الصادرة عن منظمة العمل الدولية والبنك الدولي لعام 2026 إلى أن معدل البطالة الإجمالي في اليمن يتراوح بين 17% و18%، بينما تؤكد تقديرات الأمم المتحدة، أن نسبة القادرين على العمل الذين يفتقرون إلى وظائف مستقرة تتجاوز 50% وقد تصل إلى 60%.
وفي السياق ذاته، أكد تحليل حديث صادر عن شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة “FEWS NET”، أن الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد ألحقت أضرارًا جسيمة بسبل عيش السكان، موضحة أن اليمن يُعد من بين الدول ذات أدنى معدلات المشاركة في القوى العاملة على مستوى العالم، إذ لا يشارك في النشاط الاقتصادي سوى نحو ثلث السكان في سن العمل بسبب عجز الاقتصاد المتدهور عن خلق فرص عمل حقيقية.
الفئة الأكثر تضررًا: أزمة بطالة الشباب والفجوة الكبيرة بين الجنسين
تُعد الفئة العمرية بين 15 و24 عامًا الأكثر تضررًا في سوق العمل اليمني المدمر، إذ تتراوح معدلات البطالة بين الشباب ما بين 32% و35% وفقًا لبيانات منظمة العمل الدولية.
كما يعكس سوق العمل اختلالاً صارخًا بين الجنسين، حيث يتجاوز معدل بطالة النساء ضعف معدل البطالة بين الرجال، متراوحة نسبة بطالة الإناث بين 26% و30%، في حين يُعد معدل مشاركة النساء في القوى العاملة من بين الأدنى عالميًا بتراوحه بين 4.6% و6% فقط.
هذه المعطيات تفند ادعاءات الميليشيات وتؤكد أن سياساتها المنهجية ضيقت الخناق على كافة شرائح المجتمع دون استثناء.
سيطرة القطاع غير الرسمي وانتشار الفقر المدقع بين العاملين في اليمن
وأدى تدمير الاقتصاد المنظم إلى لجوء الغالبية العظمى من القوى العاملة إلى القطاع غير الرسمي وغير المنظم، والذي يشغل أكثر من 77% من إجمالي العمالة في اليمن.
وتفتقر هذه الوظائف الهشة إلى أبسط مقومات الأمان الوظيفي، والتأمينات الاجتماعية، والحماية القانونية، مما يدرج شريحة واسعة من العمال ضمن ما يُعرف بـ “البطالة المقنعة”.
وتؤكد تقارير منظمة العمل الدولية، أن نحو 66% من العاملين يعيشون تحت خط الفقر المدقع، مما يعني بوضوح أن مجرد الحصول على وظيفة لم يعد كافيًا للخروج من دائرة العوز والفقر في ظل تهاوي القدرة الشرائية وتذبذب أسعار الصرف الناجم عن الانقسام النقدي الذي تسببت فيه سياسات الحوثيين.
وكشفت مصادر أن القطاع الخاص يواجه تحديات متزايدة تتمثل في ارتفاع تكاليف التشغيل، ونقص النقد الأجنبي، وصعوبات الاستيراد، وضعف فرص الحصول على التمويل البنكي، وهو ما دفع العديد من الشركات والمنشآت التجارية إلى تقليص أنشطتها التشغيلية أو تسريح أعداد إضافية من العاملين لتفادي الإفلاس التام تحت وطأة الإتاوات والجبايات غير القانونية التي تفرضها الميليشيات.
تداعيات توقف الصادرات النفطية على الموازنة العامة للدولة ومقدرات الشعب
شكل توقف الصادرات النفطية والغازية نتيجة التهديدات والهجمات الحوثية على الموانئ الحيوية ضربة قاصمة للاقتصاد اليمني وميزانية الدولة، حيث تسبب في خسائر مالية تراكمية تجاوزت مليارات الدولارات خلال السنوات الأخيرة.
وتشير التقارير الاقتصادية الموثقة إلى أن حرمان الخزينة العامة من موارد النقد الأجنبي أدى إلى عجز تام عن تمويل الخدمات الأساسية، ودفع سعر صرف العملة المحلية نحو تراجع حاد أمام العملات الأجنبية، مما فاقم من موجات الغلاء وارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية وأدوية المنقذة للحياة، وجعل الحصول على وجبة طعام يومية تحدياً شاقاً لعائلات بأكملها.
تقارير المنظمات الدولية: أرقام مفزعة لواقع الأمن الغذائي والإنساني
وتوثق تقارير برنامج الأغذية العالمي ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) لعام 2026 أرقاماً مفزعة تعكس تفشي انعدام الأمن الغذائي الحاد وسوء التغذية بين الأطفال والنساء الحوامل في مناطق سيطرة الحوثيين.
وتشير البيانات الأممية إلى أن أكثر من نصف السكان يعتمدون كليًا على المساعدات الإنسانية الدولية التي تشهد بدورها تراجعًا ملحوظًا في التمويل.
وتؤكد هذه التقارير، أن الممارسات الحوثية في عرقلة وصول الإغاثة الإنسانية واستهداف قوافل المساعدات ترقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وتعميق معاناة الملايين.

