تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، مع انتقال ثقل الضغط الأميركي من العمليات العسكرية إلى الأدوات الاقتصادية، في وقت تبدو فيه واشنطن أكثر ميلاً إلى استخدام العقوبات لإجبار طهران على تقديم تنازلات والعودة إلى مسار التفاوض.
وتأتي هذه المرحلة بعد أشهر من التصعيد العسكري الذي استهدف القدرات الإيرانية، لتصبح العقوبات وسيلة رئيسية لزيادة كلفة المواجهة، من دون إغلاق الباب أمام احتمال استئناف العمليات العسكرية إذا شهدت المنطقة تحركًا إيرانيًا جديدًا.

ضغط اقتصادي بدل المواجهة المباشرة
تركز الاستراتيجية الأميركية الجديدة على تشديد القيود المفروضة على الاقتصاد الإيراني، مع توسيع نطاق الاستهداف ليشمل القطاعات التي توفر لطهران مصادر للعملة الصعبة والإيرادات، وفي مقدمتها النفط والشحن والتحويلات المالية.
ولا تقتصر الإجراءات على الكيانات الإيرانية، إذ يمكن أن تمتد إلى شركات ومؤسسات ودول تتعامل مع طهران، من خلال العقوبات الثانوية التي تهدف إلى جعل التعامل مع الاقتصاد الإيراني أكثر تكلفة ومخاطرة.
ويبرز قطاع النفط باعتباره الحلقة الأهم في هذه الاستراتيجية، نظرًا لاعتماد إيران الكبير على عائداته في تمويل الإنفاق الحكومي والحصول على العملات الأجنبية.
كما يمثل تضييق قنوات نقل النفط وبيعه وتحصيل عائداته أحد أبرز المسارات التي يمكن لواشنطن من خلالها التأثير في قدرة طهران على تمويل أنشطتها المختلفة.
وتتجه الضغوط كذلك نحو شبكات التحويل المالي وشركات الصرافة والوسطاء، في محاولة للحد من قدرة إيران على نقل الأموال والوصول إلى النظام المالي العالمي.
كذلك تبقى الصين الحلقة الأكثر أهمية في منظومة الالتفاف على العقوبات، باعتبارها السوق الرئيسية للنفط الإيراني.
وتسعى واشنطن إلى تضييق المساحات التي تتحرك من خلالها المصافي والشركات الصينية التي تواصل شراء الخام الإيراني، إضافة إلى شركات النقل والتأمين والوسطاء المرتبطين بهذه التجارة.

وتعتمد إيران منذ سنوات على شبكة معقدة من الوسطاء والسفن والشركات لإخفاء مصادر الشحنات وتغيير مساراتها، وهو ما يجعل عملية وقف صادرات النفط بالكامل أكثر صعوبة، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة عمليات البيع والنقل والتحويل.
وتراهن الولايات المتحدة على أن يؤدي تضييق هذه الشبكات إلى خفض الإيرادات النفطية تدريجيًا، بدلاً من الاكتفاء باستهداف المؤسسات الإيرانية بصورة مباشرة.
هل تقود العقوبات إلى التفاوض؟
رغم تصاعد الضغط الاقتصادي، لا تبدو العقوبات هدفًا منفصلاً عن المسار السياسي، إذ يمكن أن تتحول إلى أداة لتهيئة الظروف أمام مفاوضات جديدة.
وتتركز الملفات التي يتوقع أن تكون محور أي تفاوض مستقبلي حول البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، ودور الأذرع الإيرانية في المنطقة، إضافة إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز.
وتسعى واشنطن إلى الوصول إلى اتفاق أوسع من التفاهمات السابقة، بحيث لا يقتصر على الملف النووي، بل يمتد إلى القضايا العسكرية والإقليمية التي تعتبرها جزءًا من منظومة التهديد الإيراني.
بينما، تواجه طهران معضلة معقدة، إذ إن القبول بالتفاوض تحت ضغط العقوبات قد يُنظر إليه داخليًا باعتباره تنازلاً، بينما يؤدي رفض الحوار إلى استمرار الضغوط الاقتصادية وتراكم آثارها على الأسواق والمواطنين.
الاقتصاد الإيراني أمام اختبار جديد
تأتي هذه الضغوط في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني بالفعل من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية، وهي عوامل تجعل أي تشديد إضافي للعقوبات أكثر تأثيرًا على النشاط الاقتصادي.
لكن تأثير العقوبات لا يظهر بالضرورة بصورة فورية، إذ تحتاج الإجراءات الاقتصادية إلى فترة زمنية حتى تنعكس على الإيرادات الحكومية، وسعر العملة، والتجارة الخارجية، ومستويات التضخم.
ولهذا تراهن واشنطن على الضغط التراكمي، من خلال تقليص مصادر الدخل تدريجيًا وإضعاف قدرة طهران على تمويل برامجها الداخلية والخارجية.
وفي المقابل، تراهن إيران على قدرتها على إيجاد بدائل تجارية ومالية، والاستمرار في تصدير النفط عبر قنوات غير مباشرة، إلى جانب استخدام علاقاتها مع دول لا تلتزم بالعقوبات الأميركية.

