يخضع المشهد السياسي والاقتصادي في العراق لاختبارات مصيرية دقيقة مع اكتمال مئة يوم على تشكيل حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي في أغسطس 2026 وسط ترقب شعبي حذر.
وفي الوقت الذي تواجه فيه البلاد تركة ثقيلة من الأزمات الهيكلية وجرائم الميليشيات الإرهابية التي تقوض سيادة الدولة، تنقسم الآراء والمواقف بين من يعتبر انطلاقة الحكومة مجرد بداية واعدة وضعت أسسًا صحيحة للمحاسبة ومكافحة الفساد، وبين من يرى أن ما تحقق ما يزال دون تطلعات الشارع الذي يكتوي بنار انقطاع الكهرباء وتراجع الخدمات العامة.
وتكشف التقارير والشهادات الموثقة للخبراء، أن التحديات الكبرى المتمثلة في حصر السلاح بيد الدولة، وتنويع مصادر الاقتصاد بمعزل عن عائدات النفط المتقلبة، والسيطرة على تفشي الفساد المالي والإداري، تفرض على الحكومة الانتقال العاجل من مرحلة الوعود والخطط النظرية إلى إنجازات ميدانية ملموسة يعود أثرها المباشر على حياة المواطن المعيشية وأمنه واستقرار وطنه.
رصد أزمات العراق وجرائم السلاح المنفلت
تستند التحليلات الشاملة للوضع العراقي إلى تقارير موثقة بالأرقام والتواريخ أصدرتها بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق والمنظمات الحقوقية الدولية المعتمدة حتى منتصف عام 2026.
وأكدت التقارير الأممية، أن استمرار سيطرة الميليشيات المسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة وانتشار السلاح المنفلت يشكلان العقبة الأكبر أمام ترسيخ سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان، مشيرة إلى تورط تلك الجماعات في ارتكاب جرائم مروعة شملت الاغتيالات، والابتزاز المالي، وقمع الحريات العامة، وتقويض جهود التنمية والاستثمار.
ووثقت الهيئات الدولية مقتل وتشريد آلاف المدنيين بفعل الصراعات المسلحة وعمليات العنف الطائفي، وسط عجز الحكومات المتعاقبة عن تفكيك هذه الكيانات المسلحة التي تهدد السلم الأهلي وتعطل كافة مساعي بناء دولة المؤسسات الديمقراطية.
مكافحة الفساد واسترداد الأموال
يشكل ملف مكافحة الفساد الواجهة الأبرز في التقييم المتباين لأداء حكومة الزيدي خلال المئة يوم الأولى، وسط تحركات قضائية وتشريعية غير مسبوقة شملت رفع الحصانة عن مسؤولين وإصدار مذكرات قبض بحق شخصيات نيابية ومديرين عامين.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية للعراق حالة من الهيكلة المتأزمة لاعتماد الدولة شبة الكلي على عائدات تصدير النفط الخام، مما يجعل المالية العامة عرضة للصدمات الخارجية الناتجة عن التوترات الإقليمية وأزمات الملاحة الدولية.
وأوضحت مصادر، أن الحكومة واجهت صعوبات بالغة في تحقيق تحول اقتصادي سريع نحو تنويع مصادر الدخل، لافتًا إلى أن القطاعات الحيوية كالزراعة والصناعة والسياحة والقطاع الخاص لم تحصل بعد على الدعم والتمكين الكافي.
أزمة قطاع الكهرباء.. وعود حكومية متواصلة ومعاناة يومية مستمرة للشارع العراقي
وتتصدر أزمة الكهرباء قائمة التحديات الخدمية الأكثر حساسية التي تواجه المواطن العراقي في تفاصيل حياته اليومية، حيث تشير المعطيات إلى فجوة واسعة بين الخطط المعلنة والواقع المعايش.
حصر السلاح وسيف المواعيد النهائية.. اختبار الدولة في مواجهة الفصائل المسلحة
يمثل ملف حصر السلاح بيد الدولة التحدي الأمني والسياسي الأكثر تعقيدًا وخطورة في مسيرة الحكومة الحالية، لا سيما مع تحديد تاريخ 30 سبتمبر 2026 موعدًا نهائيًا لإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت.
وتواجه الدولة العراقية تركة ثقيلة من نفوذ الفصائل المسلحة التي تمتلك قدرات عسكرية وترسانات قتالية توازي أحيانًا القوات الرسمية، مما يضع بغداد أمام معادلة دقيقة بالغة الحساسية لتجنب أي مواجهة مسلحة مدمرة قد تزلزل الاستقرار الداخلي.
وتشير التقديرات السياسية إلى أن نجاح حكومة الزيدي في فرض هيبة الدولة وإخضاع كافة التشكيلات لسلطة القائد العام للقوات المسلحة سيشكل نقطة تحول تاريخية غير مسبوقة، غير أن إخفاقها في هذا الاختبار الحاسم سيكرس حالة الفوضى ويجعل سيادة القانون مجرد شعار براق بلا مضمون حقيقي.
وتُعد الجمهورية العراقية واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط تعقيدًا من الناحية الجيوسياسية والأمنية، حيث تواجه تركة ثقيلة من الأزمات الهيكلية المتراكمة منذ عقود، تفاقمت بفعل التدخلات الخارجية وصراعات النفوذ الإقليمية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يرزح العراق تحت وطأة الاعتماد الأحادي المفرط على عائدات النفط الخام، وهو ما يترك الموازنة العامة والسيولة النقدية عرضة لصدمات أسواق الطاقة العالمية والتوترات الإقليمية المستمرة.
وفي ظل تفشي الفساد المالي والإداري الذي استنزف مئات مليارات الدولارات منذ عام 2003، يعاني المواطن العراقي من تدهور حاد في الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها أزمة الكهرباء المزمنة وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
ويأتي تشكيل الحكومة برئاسة علي فالح الزيدي في مرحلة دقيقة تتطلب إصلاحات جذرية وحاسمة لتفكيك شبكات الفساد، واسترداد الأموال المنهوبة، وفرض هيبة الدولة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية لضمان الانتقال نحو الاستقرار المستدام.

