ذات صلة

جمع

جرائم قتل النساء في تونس.. هل أصبحت الحماية القانونية غير كافية؟

تخوض المنظمات الحقوقية والنسوية في تونس معركة ضارية ضد...

تجريف المؤسسات الرسمية وفرض الجباية.. الوقائع الدامغة للخراب الاقتصادي باليمن

يشهد الاقتصاد اليمني واحدة من أسوأ مراحل الانهيار التاريخي...

تعنت طهران في هرمز.. كيف تحولت الملاحة إلى ورقة ضغط إيرانية؟

تخيم سحب التوتر الشديد والجمود السياسي على المشهد الإقليمي...

جحيم الممرات المائية.. كيف تقود سياسات طهران في مضيق هرمز إلى أزمة طاقة عالمية؟

تشتعل أزمة الملاحة الدولية في الشرق الأوسط وسط تحديات...

لماذا يهرب جيل زد من التواصل الاجتماعي؟ أسباب تفضيل «تسجيل الخروج»

نشأ جيل زد في بيئة رقمية جعلت الهاتف الذكي...

تجريف المؤسسات الرسمية وفرض الجباية.. الوقائع الدامغة للخراب الاقتصادي باليمن

يشهد الاقتصاد اليمني واحدة من أسوأ مراحل الانهيار التاريخي الشامل، متأثراً بتبعات ممارسات جماعة الحوثي الإرهابية التي أدت إلى تقويض مؤسسات الدولة، وتجفيف منابع الدخل القومي، وتدمير البنية التحتية المالية والمصرفية.

وتكشف التقارير الاقتصادية والدولية الحديثة عن صورة بالغة القتامة لواقع مأساوي يعيشه ملايين المواطنين، حيث أدى الانكماش المستمر في الناتج المحلي الإجمالي إلى جانب توقف صادرات النفط وشح قنوات التمويل الخارجي إلى إدخال البلاد في نفق مظلم من الفقر المدقع والبطالة وانعدام الأمن الغذائي.

إن هذا التدهور المتسارع لا يقتصر على الأرقام والبيانات فحسب، بل يترجم يومياً إلى معاناة إنسانية قاسية تطال ملايين الأسر اليمنية المحرومة من أبسط مقومات العيش الكريم، مما يستدعي تحركاً دولياً وأممياً حازماً لإنقاذ الوضع الإنساني المتدهور في البلاد.

أرقام مرعبة عن انكماش الاقتصاد اليمني وتراجع الناتج المحلي

تُظهر أحدث التقارير الصادرة عن مجموعة البنك الدولي، ومنها تقرير المرصد الاقتصادي لليمن لعام 2026 بعنوان “السباحة ضد التيار”، حجماً هائلاً من التراجع والهبوط المستمر في المؤشرات الاقتصادية للبلاد.

وبحسب التقارير الموثقة بالأرقام، سجل إجمالي الناتج المحلي الحقيقي انكماشاً بنسبة 1.5% خلال عام 2025، وسط توقعات باستمرار هذا الانكماش بنسبة إضافية تعادل 0.5% خلال عام 2026، متأثراً بالصدمات الخارجية والقيود الهيكلية العميقة المتجذرة.

وتؤكد البيانات الرسمية أن استمرار تجميد صادرات النفط وغياب بيئة الأعمال الجاذبة وشح قنوات التمويل أدت إلى إضعاف الطلب المحلي إلى مستويات قياسية، بينما انخفضت الإيرادات العامة للدولة لتصل إلى نحو 5.6% فقط من إجمالي الناتج المحلي، مما حد بشكل جذري من قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية وتغطية مدفوعات الرواتب والخدمات الأساسية للمواطنين.

واقع إنساني كارثي ومجاعة تلوح في الأفق

يرسم تقرير الأمم المتحدة القطري لنتائج العمليات في اليمن لعام 2026، إلى جانب بيانات منظمة الأغذية والزراعة الفاو، صورة بالغة المأساوية لمستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد في مختلف المحافظات.

وتشير الإحصائيات الأممية الموثقة إلى أن أكثر من 22.3 مليون شخص في اليمن باتوا بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية والحماية العاجلة، بينما يعاني نحو 18.3 مليون نسمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فضلاً عن وجود أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يواجهون مخاطر سوء التغذية الحاد. وعلاوة على ذلك، حذر مسؤولون أمميون من الانهيار التام للمنظومة الصحية، حيث لا تعمل سوى 59% من المرافق الصحية بشكل كامل، بينما تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة بشكل ملحوظ، مما اضطر المنظمات الإنسانية إلى تقليص حجم المساعدات الغذائية والخدمات الطبية المقدمة للملايين من المحتاجين.

تجريف المؤسسات وفرض الجبايات غير القانونية

تتحمل ممارسات جماعات الحوثي المسؤولية الكبرى عن تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية في اليمن، نتيجة لسياساتها الممنهجة في السيطرة على موارد الدولة، وتجريف القطاع الخاص، وفرض الجبايات والرسوم غير القانونية على الأنشطة التجارية والسلع الأساسية.

وتوضح الدراسات والأبحاث الميدانية أن استمرار هذه الممارسات أدى إلى اختناقات حادة في سلاسل الإمداد وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والوقود، فضلاً عن تقويض حرية التجارة والاستثمار.

كما تسببت الإجراءات التعسفية والتدخلات المستمرة في عمل البنوك والمؤسسات المالية في فقدان الثقة بالنظام المصرفي، ودفع الآلاف من الشركات الصغيرة والمتوسطة نحو الإفلاس أو الإغلاق التام، مما ضاعف من معدلات البطالة وأفرغ الأسواق المحلية من السيولة النقدية اللازمة لاستمرار الحياة الاقتصادية.

شح التمويل الدولي وتأثير الصراعات الإقليمية على القدرة الشرائية للأسر اليمنية

تنعكس المخاطر الإقليمية وتصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط بشكل مباشر ومروع على الاقتصاد اليمني المنهك، نظراً لاعتماد البلاد الكلي على استيراد نحو 90% من احتياجاتها الأساسية من الخارج، بما في ذلك القمح والمحروقات.

وأشارت تقارير المنظمات الدولية إلى أن اضطرابات حركة الملاحة والتجارة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب أدت إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن وأسعار السلع المستوردة، مما فاقم معدلات التضخم وتآكلت على إثره القوة الشرائية للأسر المعيشية التي تعيش بمعظمها تحت خط الفقر، ورغم الجهود التي تبذلها الجهات المختصة لتثبيت سعر الصرف وتنظيم تمويل الواردات، إلا أن استمرار شح التدفقات النقدية الخارجية وانخفاض الدعم الإنساني الدولي يتركان الأسر اليمنية مكشوفة تماماً أمام صدمات الأسعار العالمية وغياب شبكات الأمان الاجتماعي.

وتؤكد الخطط الحكومية والتقارير الاستراتيجية أن تحقيق التعافي الاقتصادي المنشود يستلزم توجيه الموارد نحو قطاعات الإنتاج الأساسية، وتفعيل آليات الرقابة المالية والمصرفية، وتقديم دعم حقيقي ومستدام للموازنة العامة لتمكينها من تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين.

إن إنقاذ الشعب اليمني من براثن المجاعة والفقر المدقع لم يعد خياراً ثانوياً، بل هو واجب إنساني وأخلاقي عاجل يتطلب تضافر كافة الجهود الإقليمية والدولية لإعادة الأمل إلى بلد أنهكته سنوات طويلة من الصدمات والحروب العبثية.