تحت وطأة اختناقات جيوستراتيجية خانقة وصراعات إقليمية عاتية تديرها الميليشيات المسلحة وأذرع الوكالة الإيرانية، يقف العراق اليوم على صفيح ساخن، مرددًا صدى أزمات هيكلية عميقة تهدد بانهيار كامل منظومته الاقتصادية والمالية.
ولم يعد خافيًا على أحد أن سيطرة الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون وتدخلات النظام الإيراني في تعطيل الملاحة الدولية وإغلاق مضيق هرمز قد حوّلت شريان الحياة الرئيسي للبلاد إلى ساحة ابتزاز وخراب؛ ما أدى إلى تراجع كارثي في صادرات النفط التي تشكل العصب الأساسي للموازنة العامة.
وفي الوقت الذي تكافح فيه الحكومة لتأمين الرواتب وتمويل الواردات وسط انكماش حاد في الإيرادات، تكشف التصريحات الرسمية والتقارير الأممية عن صورة قاتمة لواقع الدولة العراقية التي تُهدر ثرواتها تحت وطأة السلاح المنفلت والسياسات المدمرة.
إن هذه المعطيات الموثقة بالأرقام والتواريخ تضع المجتمع الدولي ومؤسسات الرقابة المالية الدولية أمام مسؤولية تاريخية ملحة لفضح جرائم الميليشيات ومحاسبة المتسببين في إغراق الاقتصاد العراقي في أتون الفوضى والفقر الشامل.
تفاصيل تراجع الصادرات وعودة شبح الاختناقات في مضيق هرمز
في تطور خطير يعكس حجم الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعراق، أعلن وزير النفط العراقي باسم خضير، في تصريحات رسمية خلال شهر أغسطس 2026، أن صادرات البلاد النفطية بلغت متوسط مليوني برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى تسجله منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق إيران لمضيق هرمز الحيوي.
وأوضح خضير -خلال مؤتمر صحفي- أن إجمالي الصادرات منذ بداية الشهر الجاري بلغ نحو ستة وعشرين مليون برميل، مشيرًا إلى أن الوصول إلى هذا المتوسط اليومي يتحقق لأول مرة منذ بداية الأزمة الطاحنة.
وتستند القراءات الموضوعية للوضع الاقتصادي في العراق إلى قاعدة صلبة من التقارير الأممية والدولية الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمات حقوقية وإنسانية معتمدة خلال عام 2026، والتي وثقت بالأرقام والوقائع الدقيقة تداعيات الأزمة النفطية على استقرار البلاد.
ففي تقرير أصدره البنك الدولي في منتصف عام 2026، تم تحذير الحكومة العراقية من خطورة اعتماد الموازنة بنسبة تجاوزت تسعين بالمئة على إيرادات النفط وحدها، مؤكدًا أن انخفاض الصادرات إلى النصف نتيجة إغلاق مضيق هرمز وتحكم الميليشيات بالمنافذ الاقتصادية قد أدى إلى عجز مالي هائل في الموازنة العامة.
وأشارت التقارير الدولية إلى أن قطاع الطاقة العراقي تكبد خسائر مالية تجاوزت مليارات الدولارات بسبب توقف الإنتاج المتكرر وتخريب البنية التحتية، فضلاً عن تفشي الفساد المالي الممنهج الذي تديره شبكات مرتبطة بالأحزاب والميليشيات المسلحة لتمويل أنشطتها العابرة للحدود.
وأكدت التقارير الأممية الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، أن استمرار الهيمنة المسلحة وانعدام الأمن الاقتصادي أسفر عن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة بين الشباب لتتجاوز مستويات غير مسبوقة، مما يهدد بانفجار اجتماعي واسع النطاق يستوجب تحركًا دوليّا عاجلاً لفرض سيادة القانون وتجفيف منابع تمويل الميليشيات المتورطة في نهب ثروات الشعب العراقي.
مأساة تمويل الرواتب وتهديد استقرار الدينار في ظل تعنت الميليشيات
ويعتمد الاقتصاد العراقي بدرجة حرجة وحساسة على العملات الأجنبية الناتجة عن مبيعات النفط الخام لتمويل الواردات الأساسية، ودعم استقرار سعر صرف الدينار، وسداد رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين الذين يشكلون نحو عشرين بالمئة من إجمالي عدد السكان البالغ أكثر من ستة وأربعين مليون نسمة.
وفي ظل شح الإيرادات الناتج عن أزمة مضيق هرمز، يواجه ملايين العراقيين شبح الفقر والجوع والبطالة، حيث أكد المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي في تصريحات رسمية خلال شهر أغسطس 2026 أن بغداد ما تزال تكابد لتأمين الرواتب بالحد الأدنى دون اللجوء إلى الاقتراض الخارجي المدمر، ومع ذلك، تؤكد التقارير المالية المستقلة أن الاحتياطيات النقدية تتعرض لاستنزاف غير مسبوق بسبب تمويل الفصائل والميليشيات المسلحة على حساب قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
وفي محاولة يائسة لتقليل الاعتماد المفرط على النفط، صرح المستشار المالي لرئيس الحكومة مظهر محمد صالح في تقرير رسمي لوكالة الأنباء العراقية بأن بغداد تستهدف رفع الإيرادات غير النفطية من عشرة بالمئة إلى خمسة والأربعين بالمئة بحلول عام 2037، غير أن الخبراء الاقتصاديين يرون أن تحقيق هذه الأهداف يظل أمرًا مستحيلاً طالما ظلت المسيّرات وصواريخ الميليشيات تتحكم بالقرار السيادي والاقتصادي، وتمنع قيام دولة مؤسسات حقيقية قادرة على جذب الاستثمارات الأجنبية وحماية مقدرات البلاد من العبث المستمر.
العقبة الكبرى أمام الاستقرار والتنمية في العراق
تمثل سيطرة الميليشيات المسلحة والتشكيلات الطائفية الخارجة عن إطار الدولة السبب الجذري والعميق لكل الأزمات والكوارث التي تعصف بالعراق، بدءًا من تقويض سيادة القانون وصولاً إلى تخريب الاقتصاد الوطني لخدمة مصالح أجنبية.
وتعمل هذه الميليشيات، المدعومة ماليًا وعسكريًا من طهران، على فرض إتاوات مالية على الشركات التجارية، والسيطرة على المنافذ الحدودية وتهريب النفط الخام، وتعطيل أي مشاريع استثمارية استراتيجية تقودها شركات عالمية كبرى في قطاع الطاقة.
وأشارت تقارير أمنية وحقوقية محلية ودولية إلى أن سلاح الميليشيات المنفلت لا يشكل تهديدًا أمنيًا للمواطنين الأبرياء فحسب، بل يتحول باستمرار إلى أداة لابتزاز الدولة العراقية وتعطيل قراراتها السيادية، حيث تستخدم الفصائل المسلحة مناطق الجنوب والوسط كقواعد لانطلاق الهجمات والتهديدات الإقليمية دون اكتراث بتداعيات ذلك على حياة ملايين العراقيين الذين يدفعون ثمن مغامرات الوكالة الإيرانية.
وأكد المراقبون السياسيون، أن عجز الحكومة المركزية عن تفكيك هذه الميليشيات أو كبح جماحها يكرس حالة الدولة الفاشلة، ويجعل قطاع النفط والاقتصاد رهائن بيد أمراء الحرب والمرتزقة الذين يستفيدون بشكل مباشر من حالة الفوضى والدمار المستمر في البلاد.

