ذات صلة

جمع

الحرب الإلكترونية بين إسرائيل وإيران تتصاعد.. هدنة الميدان لا توقف معارك الفضاء الرقمي

رغم توقف العمليات العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران عقب...

مباريات اليوم.. المغرب في مواجهة هولند في دور الـ32 لكأس العالم

تشهد الملاعب العالمية عدد من المباريات القوية اليوم الإثنين،...

إرث النهضة المر.. كيف استغل الإخوان السلطة لتصفية الخصوم؟

لم تكن "العشرية السوداء" في تونس مجرد فترة حكم...

تعرف على أسعار العملات مقابل الجنيه المصري الإثنين 29 يونيو

حالة من الهدوء على سوق الصرف في مصر خلال...

إرث النهضة المر.. كيف استغل الإخوان السلطة لتصفية الخصوم؟

لم تكن “العشرية السوداء” في تونس مجرد فترة حكم سياسي عابرة، بل كانت حقبة قاتمة شهدت تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة أجندات تنظيمية، حيث تعرض فيها الخصوم السياسيون لأبشع صنوف التنكيل، بدءًا من المضايقات القانونية وصولاً إلى التعذيب الممنهج والتغييب القسري، وهو ما تكشفه اليوم مئات الوثائق والشكاوى القضائية التي كانت حبيسة الأدراج طوال سنوات.

اليوم، وبينما تستعيد تونس مسار عدالتها الانتقالية، تقف قيادات حركة النهضة، وعلى رأسهم نور الدين البحيري ومنذر الونيسي، أمام منصات القضاء بتهم ترتقي إلى مصاف جرائم ضد الإنسانية، لتعيد إلى الأذهان قصة رجل الأعمال والبرلماني السابق الجيلاني الدبوسي، الذي دفع حياته ثمنًا لكونه صوتًا معارضًا لمشروع استباح الدولة والمجتمع.

محاكمة “العشرية السوداء”: سقوط قناع العدالة الإخوانية

وشكل الحكم الصادر عن الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس بتأييد الحكم الابتدائي بحق القيادي الإخواني ووزير العدل الأسبق نور الدين البحيري ومنذر الونيسي، زلزالاً سياسيًا كشف زيف شعارات “الديمقراطية” التي رفعها التنظيم، حيث أثبتت التحقيقات تورط هؤلاء في التواطؤ بوفاة الجيلاني الدبوسي تحت التعذيب وسوء المعاملة.

وفقًا لسجلات المحكمة الابتدائية الصادرة في 24 فبراير الماضي، لم يقتصر الحكم على القيادات السياسية، بل طال أطرافًا في المنظومة الصحية والقضائية التي تواطأت لضمان “إفلات الإخوان من العقاب”، حيث تؤكد الوقائع أن التلاعب بملفات المرضى المسجونين كان استراتيجية ممنهجة لتصفية المعارضين بعيدًا عن أعين القضاء.

الجيلاني الدبوسي.. قصة المعارضة التي أزعجت “النهضة”

وكان الجيلاني الدبوسي، النائب السابق في عهد زين العابدين بن علي، يمثل ثقلاً سياسيًا واقتصاديًا لا يستهان به، وهو ما جعله هدفًا مباشرًا لآلة التصفية الإخوانية فور وصولهم للسلطة في 2011، حيث جرى اعتقاله وتغييبه في ظروف لا إنسانية، رغم تدهور حالته الصحية التي كانت تتطلب رعاية طبية عاجلة.

وأكد نجل الدبوسي في شكاوى موثقة قُدمت للادعاء العام في 7 مارس 2013، أن والده تعرض لأصناف مرعبة من التعذيب النفسي والجسدي، وأن وزير العدل آنذاك “نور الدين البحيري” ووزير الصحة “عبداللطيف المكي” كانا على دراية تامة بتدهور حالته الصحية، ومع ذلك استمروا في قرار حبسه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة بعد إطلاق سراحه المهين.

تقارير أممية وحقوقية: رصد التجاوزات الممنهجة

ولم تكن انتهاكات حركة النهضة خافية على المجتمع الدولي، حيث رصدت عدة منظمات حقوقية، منها “منظمة العفو الدولية” في تقاريرها الصادرة بين عامي 2012 و2014، تزايد وتيرة التعذيب في مراكز الإيقاف التونسية، وأشارت التقارير إلى أن “تسييس القضاء” كان السمة الأبرز لوزارة العدل في عهد البحيري.

وفي عام 2015، أشار تقرير صادر عن “مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب” إلى وجود فجوة كبيرة بين التشريعات التونسية والممارسات الميدانية التي كانت تدار من قبل أجهزة موالية للتنظيم، حيث تم توثيق حالات وفاة مشبوهة داخل السجون ومراكز الإيقاف، وهو ما يتقاطع تمامًا مع ملابسات وفاة الدبوسي التي كانت توصف بـ “القتل المبطن”.

القضاء التونسي يضع حدًا لسنوات التواطؤ

وتؤكد الوقائع الموثقة، أن ملف الجيلاني الدبوسي ظل “مركونًا على الأرفف” بأوامر عليا طوال سنوات حكم الإخوان، حيث استخدمت القيادات نفوذها لمنع فتح تحقيق جدي، بل وتدجين الجهاز القضائي لمنع أي ملاحقة ضد الوزراء المتورطين، مما اضطر العائلة لتدويل القضية والبحث عن العدالة خارج الحدود بعد أن فقدوا الأمل في قضاء خضع للهيمنة الحزبية.

وتعتبر الملاحقات القضائية الراهنة التي طالت راشد الغنوشي، والبحيري، والونيسي، خطوة أولى نحو استعادة هيبة الدولة التونسية، حيث أثبتت التحقيقات أن تهم “التآمر على أمن الدولة” و”تعذيب السجناء” لم تكن مجرد ادعاءات سياسية، بل حقائق مدعومة بتقارير الطب الشرعي وشهادات الشهود الذين كسروا حاجز الصمت بعد سقوط أسطورة “المظلومية الإخوانية”.

تصفية الخصوم.. استراتيجية إخوانية عابرة للحدود

يوستنتج المحللون السياسيون، أن ما حدث في تونس من تصفية للخصوم لا ينفصل عن العقيدة التنظيمية لجماعة الإخوان، التي ترى في السلطة وسيلة لا لخدمة الشعب، بل لإقصاء كل من يهدد سيطرتهم، وهو ما يفسر لماذا كانت وزارة العدل التونسية آنذاك “مغلقة” أمام أي بلاغ يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان.

إن الوقائع التي كشفتها قضية الدبوسي تؤكد أن التجاوزات لم تكن أخطاءً فردية، بل كانت جزءًا من “هندسة قضائية” تهدف إلى شرعنة الظلم، حيث تم استخدام “قوانين الطوارئ” و”مكافحة الإرهاب” كأدوات لتصفية المعارضين السياسيين الذين كانوا يحذرون من مشروع أخونة الدولة التونسية.

وستبقى قضية الجيلاني الدبوسي عنوانًا عريضًا لانتهاكات “العشرية السوداء”، ودرسًا قاسيًا حول كيف يمكن للسلطة أن تتحول إلى وحش كاسر حين تُختزل في يد تنظيم لا يعترف بالآخر، واليوم، بينما تتكشف خيوط هذه الجرائم، يجد التونسيون أنفسهم أمام فرصة تاريخية لا تقتصر فقط على معاقبة الجناة، بل على بناء نظام قضائي مستقل يمنع تكرار هذه المآسي الحقوقية تحت أي مسمى سياسي.