ذات صلة

جمع

من “خبز المواطن” إلى “صواريخ الوكلاء”.. اختلال الأولويات في ميزانية طهران

تواجه إيران تحديات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، نتيجة عقود...

خطيئة “الأنبوب الواحد”.. لماذا تأخر العراق في تأمين مسارات بديلة لنفطه؟

يعيش الاقتصاد العراقي واحدة من أخطر لحظات الانكشاف الاستراتيجي...

سجون المعونات.. كيف تمنع قيود الحوثي وصول الدواء والغذاء إلى المناطق المحتاجة؟

تتصاعد وتيرة الانتهاكات الحوثية الممنهجة ضد العمل الإغاثي في...

فاتورة التبعية لطهران.. كيف تدفع بغداد ثمن “إرهاب المسيرات” من سمعتها ومصالحها الدولية؟

تواجه الدولة العراقية في المرحلة الراهنة اختبارًا هو الأصعب...

بين التصعيد والتسوية.. خيارات ترامب تضيق بعد جمود مفاوضات إيران

تضع تطورات الملف الإيراني الإدارة الأميركية أمام مفترق حاسم،...

سجون المعونات.. كيف تمنع قيود الحوثي وصول الدواء والغذاء إلى المناطق المحتاجة؟

تتصاعد وتيرة الانتهاكات الحوثية الممنهجة ضد العمل الإغاثي في اليمن، حيث تحولت مناطق سيطرة الميليشيا إلى ما يشبه “سجونًا للمعونات”، تُحتجز خلف أسوارها آلاف الأطنان من الدواء والغذاء المخصص للفئات الأكثر احتياجًا.

وتستخدم جماعة الحوثي ترسانة من القيود واللوائح التعسفية لعرقلة وصول المساعدات الدولية، في خطوة تهدف بالأساس إلى تسييس الملف الإنساني وتحويله إلى ورقة ضغط سياسية وعسكرية.

إن هذا التضييق المتعمد لا يقتصر على المنع المباشر، بل يمتد ليشمل فرض جبايات باهظة على شاحنات الإغاثة، والتدخل في قوائم المستفيدين لضمان وصول الدعم للموالين للجماعة فقط؛ وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية التي وُصفت بأنها الأسوأ عالميًا، محولةً لقمة عيش اليمنيين إلى رهينة بيد قادة الميليشيا الذين يتاجرون بآلام المدنيين في السوق السوداء لتمويل مجهودهم الحربي وتوسيع نفوذهم الميداني.

هندسة التجويع.. قيود إدارية وأمنية لخنق العمل الإغاثي

تبنت الميليشيا الحوثية استراتيجية “هندسة التجويع” عبر إنشاء هيئات موازية تتولى الإشراف القسري على كافة شؤون الإغاثة، مثل ما يسمى بـ “المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية” (سكمشا)، والذي يعمل كذراع استخباراتي وأمني للتحكم في المنظمات الدولية.

وتفرض هذه الهيئة قيودًا مشددة تشمل اشتراط مرافقة عناصر حوثية للفرق الميدانية، ومنع تنفيذ أي مشروع إغاثي إلا بعد الحصول على تصاريح معقدة قد تستغرق شهوراً.

هذه القيود تسببت في تلف كميات ضخمة من الأدوية والمواد الغذائية الحساسة نتيجة احتجازها لفترات طويلة في نقاط التفتيش المنتشرة بين المدن، مما يحرم الملايين من أدوية الأمراض المزمنة واللقاحات الضرورية، ويجعل من وصول المعونات عملية شبه مستحيلة في ظل التعنت الحوثي المستمر الرامي لإخضاع المجتمع الدولي لمطالب الميليشيا السياسية.

نهب السلل الغذائية وتحويلها لدعم المجهود الحربي

لا تتوقف جرائم الحوثيين عند حد العرقلة، بل تمتد إلى النهب المنظم للمساعدات فور وصولها إلى مراكز التوزيع أو الموانئ الخاضعة لسيطرتهم.

وتكشف التقارير الميدانية لعام 2026 عن تورط قادة حوثيين في تحويل مسار السلل الغذائية من الأسر الفقيرة إلى معسكرات التدريب وجبهات القتال، حيث يتم توزيعها كمكافآت للمقاتلين أو بيعها في الأسواق السوداء بأسعار خيالية لجني أرباح طائلة.

إن هذا النهب الممنهج يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان، حيث يُحرم الجوعى من حقهم في البقاء على قيد الحياة لتغذية آلة الموت الحوثية. وتستخدم الميليشيا هذه المعونات كأداة للابتزاز، حيث يتم اشتراط إرسال الأبناء للجبهات مقابل الحصول على كرت الإغاثة، مما يضع الأسر اليمنية أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما الجوع والموت أو إرسال فلذات أكبادهم لمحارق الميليشيا.

تسييس المساعدات الطبية.. حرمان المناطق المحتاجة من الدواء

يمثل ملف المساعدات الطبية جانبًا مظلمًا آخر من جرائم الحوثيين، حيث تتعمد الميليشيا منع وصول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المناطق التي تشهد معارضة لحكمهم أو تلك البعيدة عن مراكز نفوذهم. ويتم احتجاز شحنات الأدوية المنقذة للحياة، مثل محاليل غسيل الكلى وأدوية السرطان، في مخازن تفتقر لأدنى معايير التخزين الصحي، مما يؤدي إلى فسادها وعدم صلاحيتها للاستخدام الآدمي.

وتستخدم الجماعة الدواء كأداة لفرض الولاء، حيث يتم توجيه أفضل الخدمات الطبية والمساعدات الدوائية للمستشفيات التي تعالج جرحى الميليشيا، بينما تُترك المستشفيات العامة والمراكز الصحية في الأرياف تواجه نقصًا حادًا في أبسط المستلزمات، مما تسبب في ارتفاع مهول في معدلات الوفيات الناتجة عن أمراض يمكن الوقاية منها أو علاجها ببدائل بسيطة لولا الحصار الحوثي الداخلي المفرط.

ابتزاز المنظمات الدولية.. التمويل القسري لأجندة “المسيرة”

تعرضت المنظمات الأممية والدولية لضغوط وابتزاز غير مسبوق من قبل سلطات الانقلاب في صنعاء، حيث يُجبر الحوثيون هذه المنظمات على دفع مبالغ مالية تحت مسمى “رسوم إشراف” أو “ضرائب” غير قانونية، تُخصص لدعم أنشطة الجماعة الطائفية.

وفي حال رفضت المنظمات الانصياع لهذه المطالب، يتم شن حملات تحريض إعلامية ضدها، واتهام موظفيها بالتجسس، وصولاً إلى طردهم أو اختطافهم.

هذا المناخ العدائي أجبر العديد من المنظمات على تقليص عملياتها أو تعليقها بالكامل في بعض المناطق، وهو ما يخدم خطة الحوثي في أن يكون هو الموزع الوحيد والمهيمن على كافة الموارد، ليضمن تبعية السكان له بشكل كامل من خلال السيطرة على مصدر رزقهم الوحيد في ظل انهيار الرواتب والقطاعات الإنتاجية في البلاد.

سوق سوداء للمساعدات.. المتاجرة بأوجاع المدنيين في صنعاء

رصدت تقارير اقتصادية في عام 2026 انتشارًا واسعًا لمواد إغاثية تحمل شعارات المنظمات الدولية”مثل برنامج الغذاء العالمي” تُباع علنًا في أسواق صنعاء والحديدة، بأسعار تفوق قدرة المواطن العادي.

هذه المساعدات المنهوبة تُدار عبر شبكات سماسرة يتبعون قادة الميليشيا، حيث يتم إفراغ الشحنات من حاوياتها الأصلية وإعادة تعبئتها في أكياس تجارية لإخفاء مصدرها، ومن ثم بيعها للتربح الشخصي وتمويل الأنشطة الميدانية.

إن وجود “سوق سوداء” للمعونات في ظل مجاعة تلوح في الأفق يعكس مدى الانحطاط الأخلاقي والإنساني للميليشيا الحوثية، التي لا تكتفي بمنع الغذاء عن الجوعى، بل تبيعه لهم بأثمان باهظة، مستغلةً غياب الرقابة الدولية وضعف آليات التتبع والتحقق من وصول المساعدات لمستحقيها الفعليين.

نداءات استغاثة دولية لوقف “الانفصالية الإنسانية” الحوثية

أمام هذا الوضع الكارثي، أطلقت عشرات المنظمات الحقوقية واليمنية نداءات استغاثة للمجتمع الدولي للتدخل العاجل ووضع حد لسياسة “سجون المعونات”.

ويطالب الخبراء بضرورة تغيير آلية تقديم المساعدات لتكون عبر قنوات مستقلة تمامًا عن سيطرة الميليشيا، وفرض عقوبات صارمة على القيادات الحوثية المتورطة في نهب وعرقلة الإغاثة.

إن استمرار الصمت الدولي تجاه تسييس المساعدات في اليمن يشجع الحوثيين على المضي قدمًا في استخدام الجوع كأداة للحكم، مما يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي وتحويل اليمن إلى بؤرة دائمة للأزمات الإنسانية وإن كسر قيود الحوثي على الغذاء والدواء ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو ضرورة أخلاقية وقانونية لحماية ملايين الأرواح التي تزهق يوميًا بسبب صلف وتعنت جماعة لا تعترف إلا بلغة القوة والابتزاز، ضاربةً عرض الحائط بكافة القوانين والأعراف الدولية.