ذات صلة

جمع

الردع المفقود.. لماذا فشلت الدفاعات الجوية الإيرانية في حماية كبار جنرالاتها؟

أثارت الضربة الجوية الدقيقة التي استهدفت قائد بحرية الحرس...

بين المبدأ والواقع.. هل تواجه ألمانيا مأزقًا تاريخيًا مع اللاجئين السوريين؟

أثارت التصريحات الأخيرة لخبراء قانونيين وسياسيين في ألمانيا حول...

جنوب لبنان يدفع الثمن.. كيف حولت عمليات حزب الله القرى الحدودية إلى مدن أشباح؟

يواجه لبنان اليوم، وتحديدًا في جنوبه الصامد، واحدة من أخطر الأزمات الوجودية في تاريخه الحديث، حيث لم تعد العمليات العسكرية التي يشنها حزب الله منفردًا بعيدًا عن قرار الدولة الرسمي مجرد “مناوشات حدودية”، بل تحولت إلى عملية تدمير ممنهج للبنية التحتية والنسيج الاجتماعي اللبنان.

إن القراءة التحليلية للمشهد تشير بوضوح إلى أن الحزب قد نجح في “اختطاف السيادة الوطنية” بالكامل، محولاً القرى الحدودية الآمنة إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية ومخازن سلاح وسط الأحياء السكنية، وهو ما يفسر تحول هذه المناطق إلى “مدن أشباح” بعد هجرة سكانها قسرًا هربًا من ردود الفعل العسكرية التي يستدرجها الحزب بوعي كامل، وإن جرائم حزب الله بحق لبنان لم تعد تقتصر على السلاح غير الشرعي، بل تمتد لتشمل ضرب المصلحة الوطنية العليا عرض الحائط، وإقحام البلاد في حرب استنزاف لا ناقة للبنانيين فيها ولا جمل، خدمةً لمصالح قوى إقليمية ترى في لبنان مجرد “ساحة بريد” أو ورقة ضغط على طاولات التفاوض الدولية.

ارتهان القرار السيادي لـ”الوكيل الإقليمي” وتفكيك مؤسسات الدولة

تتجلى الجريمة السياسية الأكبر لحزب الله في إصراره على تغييب دور الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الرسمية في حماية الحدود، فارضًا واقعًا ميدانيًا يجعل من “الدويلة” أقوى من “الدولة”، وهذا الاختطاف للقرار السيادي أدى إلى عزل لبنان دوليًا وإقليميًا، حيث باتت العواصم الكبرى والمنظمات الدولية تنظر إلى الحكومة اللبنانية كواجهة عاجزة لا تملك سلطة القرار على أراضيها.

إن ارتهان حزب الله للأجندة الإيرانية جعل من الجنوب اللبناني “منصة إطلاق” لرسائل عسكرية لا تخدم قضية لبنانية واحدة، بل تهدف إلى تحسين شروط التفاوض لطهران، وفي سبيل ذلك، لا يتردد الحزب في التضحية بمستقبل الأجيال اللبنانية، محولاً القرى التي كانت تنبض بالحياة والسياحة والزراعة إلى أهداف عسكرية مشروعة نتيجة زرع المنصات الصاروخية بين منازل المدنيين، وهو ما يعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وجريمة حرب مكتملة الأركان يتم التغطية عليها بشعارات “المقاومة” التي لم تعد تقنع أحداً في ظل الانهيار الشامل.

تدمير الاقتصاد الجنوبي وسياسة “التهجير الممنهج” للمدنيين

على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، ارتكب حزب الله “مذبحة معيشية” بحق سكان الجنوب، فبسبب العمليات العسكرية غير المحسوبة، توقفت عجلة الإنتاج الزراعي في مناطق تمثل سلة الغذاء اللبنانية، حيث احترقت آلاف الأفدنة من بساتين الزيتون والمحاصيل الاستراتيجية نتيجة القصف المتبادل، ولم يكتفِ الحزب بذلك، بل تسبب في تهجير ما يزيد عن 150 ألف مواطن لبناني من قراهم الحدودية في عام 2026، ليعيشوا معاناة النزوح في مراكز الإيواء المتهالكة دون أي دعم من “الدويلة” التي ورطتهم في هذه الحرب.

إن تحويل القرى إلى “مدن أشباح” ليس مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل هو نتاج طبيعي لسياسة الحزب التي تعلي من شأن “العسكرة” على حساب “التنمية”، فبدلاً من بناء المستشفيات والمدارس، استثمر الحزب في حفر الأنفاق تحت بيوت الأبرياء، مما جعل العودة إلى تلك القرى أمرًا شبه مستحيل في ظل الدمار الهائل وغياب أي خطة وطنية للإعمار لا تمر عبر قنوات الحزب المليشياوية، مما يرسخ سياسة “التبعية القسرية” للسكان الذين فقدوا كل شيء.

انهيار القرار 1701 والمستقبل المجهول للسيادة اللبنانية

وقالت مصادر: إن الجريمة الكبرى التي يرتكبها حزب الله حاليًا هي الإجهاز التام على القرار الدولي 1701، الذي كان يمثل المظلة الوحيدة لحماية لبنان من الانزلاق نحو حرب شاملة، فمن خلال خروقاته المستمرة وتواجده العسكري العلني جنوب الليطاني، أعطى الحزب الذريعة الكاملة لتدمير ما تبقى من استقرار، واضعًا قوات “اليونيفيل” الدولية في موقف لا تحسد عليه، مما يهدد بانسحابها وترك الجنوب لمصير مجهول.

وأكدت المصادر، أن التحليل العميق لجرائم حزب الله يكشف أن الهدف النهائي هو “تغيير هوية لبنان” وتحويله من دولة مدنية ديمقراطية إلى ولاية أيديولوجية تابعة، وما يحدث في الجنوب هو مجرد فصل من فصول هذا المشروع الذي لا يعترف بالحدود الوطنية، وإذا لم تتحرك القوى الوطنية المدنية والجيش اللبناني لاستعادة القرار السيادي وفك الارتباط بين أمن لبنان ومصالح المحاور الخارجية، فإن البلاد تتجه نحو “تلاشٍ كامل” للدولة، حيث يصبح الجنوب مجرد ركام، وبيروت مجرد صدى لصراعات إقليمية لا تنتهي، وهو ما يحتم ضرورة الملاحقة القانونية والدولية لقادة الحزب على ما اقترفوه من جرائم بحق الوطن والمواطن.