تستمر المفارقة الصارخة في الداخل الإيراني بين إمكانيات الدولة الضخمة وبين الواقع المعيشي المتردي الذي يواجهه المواطن البسيط يوميًا، حيث تعيش البلاد واحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية منذ عقود طويلة، وبينما تتآكل الطبقة الوسطى وتتوسع رقعة الفقر لتشمل شرائح واسعة من المجتمع الإيراني، تشير التقارير الدولية والاستخباراتية إلى تدفقات مالية بمليارات الدولارات تخرج من خزينة الدولة لتستقر في جيوب الميليشيات والوكلاء الإقليميين في عدة عواصم عربية.
إن هذا “الرهان الخاسر” الذي تبنته طهران منذ سنوات طويلة لم يؤدِ فقط إلى عزلة دولية خانقة، بل تحول إلى نزيف مالي مستمر استنزف مدخرات الأجيال القادمة وحرم الاقتصاد المحلي من فرص حقيقية للتنمية والازدهار، مما جعل السؤال حول جدوى هذه السياسة يتصدر اهتمامات الشارع الإيراني الذي بات يصرخ في احتجاجاته المتكررة بضرورة الالتفات للداخل بدلاً من تبديد الأموال في صراعات لا تجلب سوى الخراب والفقر.
أولويات النظام: الأيديولوجيا فوق الاقتصاد
تعتمد العقيدة السياسية في طهران على مبدأ “تصدير الثورة” وتوسيع نفوذها الإقليمي كأداة لحماية الأمن القومي ومواجهة الخصوم بعيدًا عن حدودها الجغرافية، وهي استراتيجية تتطلب تمويلاً هائلاً ومستدامًا.
هذا التوجه جعل الميزانية العامة للدولة رهينة لأجندات عسكرية وأمنية لا تخضع للرقابة البرلمانية أو الشفافية المالية المطلوبة، حيث يتم توجيه مبالغ ضخمة عبر قنوات سرية ومؤسسات موازية لتمويل الميليشيات في لبنان واليمن والعراق وسوريا.
إن تفضيل الأيديولوجيا على رفاهية الشعب أدى إلى تراجع حاد في الاستثمارات البنية التحتية، وتعطيل مشاريع الطاقة والمياه، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية، مما وضع الدولة في مأزق تاريخي يجمع بين العقوبات الخارجية وسوء الإدارة الداخلية المتعمد لتوفير السيولة النقدية للوكلاء الخارجيين.
أرقام النزيف: كلفة التمدد الإقليمي
رغم التكتم الرسمي الشديد على حجم الإنفاق العسكري الخارجي، إلا أن تقديرات الخبراء الاقتصاديين تشير إلى أن طهران أنفقت ما يتراوح بين 20 إلى 30 مليار دولار سنويًا خلال ذروة الصراعات الإقليمية لدعم حلفائها بالمال والسلاح والوقود.
هذه الأرقام المخيفة كانت كفيلة بإحداث نهضة اقتصادية شاملة داخل إيران لو تم استثمارها في تحديث حقول النفط المتهالكة أو دعم العملة المحلية التي فقدت قيمتها بشكل دراماتيكي أمام الدولار.
إن استنزاف العملة الصعبة لتمويل الميليشيات ساهم بشكل مباشر في رفع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، مما جعل السلع الأساسية بعيدة عن متناول ملايين الإيرانيين، وخلق فجوة طبقية هائلة بين النخبة المرتبطة بالنظام وبين عامة الشعب الذين يدفعون ثمن هذه المغامرات الخارجية من لقمة عيشهم واستقرار مستقبل أبنائهم.
تآكل الداخل: حين يدفع المواطن الفاتورة
انعكست سياسة “الرهان الخاسر” بشكل مباشر على جودة الحياة في المدن والقرى الإيرانية، حيث بات انقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه وتلوث الهواء من الظواهر المعتادة نتيجة غياب الاستثمارات الحكومية.
المواطن الإيراني الذي يرى ثروات بلاده تُنفق على صواريخ ومسيرات تُمنح لميليشيات عابرة للحدود، يشعر بمرارة كبيرة وهو يواجه طوابير الخبز واللحوم وأسعار الأدوية المشتعلة.
هذه الضغوط المعيشية لم تعد مجرد أزمة اقتصادية بل تحولت إلى أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمجتمع، حيث أصبحت الشعارات السياسية التي يرفعها النظام لا تجد صدى لدى جيل الشباب الذي يبحث عن فرص عمل وحياة كريمة بدلاً من العيش في دوامة الصراع الدائم.
إن استنزاف الثروات لم يضعف الاقتصاد فحسب، بل نخر في النسيج الاجتماعي وزاد من معدلات الهجرة للعقول والكفاءات الإيرانية نحو الخارج.
الميليشيات كعبء: استدامة الخسائر
لا يقتصر الاستنزاف على التمويل المباشر، بل يمتد ليشمل التبعات القانونية والاقتصادية للعقوبات الدولية التي فُرضت على إيران بسبب أنشطة وكلائها المسلحين، لقد أصبحت هذه الميليشيات عبئًا ثقيلاً يعيق أي محاولة للانفتاح الاقتصادي أو جذب الاستثمارات الأجنبية، حيث يخشى المستثمرون من الارتباط بنظام مالي متورط في تمويل جماعات مصنفة على قوائم الإرهاب.
هذا الحصار المالي جعل إيران تبيع نفطها بخصومات كبيرة في الأسواق السوداء، مما يعني خسارة مليارات إضافية كانت كفيلة بإنعاش الخزينة العامة وهكذا، يجد النظام نفسه في حلقة مفرغة، حيث يضطر لمزيد من الإنفاق لتأمين نفوذه، مما يؤدي لمزيد من العقوبات، وبالتالي مزيد من الفقر والانهيار في الداخل، في رهان يبدو أن الخاسر الوحيد فيه هو الشعب الإيراني.

