يعيش لبنان منذ سنوات طويلة تحت وطأة معادلة سياسية وأمنية معقدة، فرضتها سطوة السلاح غير الشرعي المرتبط بأجندات عابرة للحدود، حيث تحول “إرهاب النفوذ” الذي تمارسه الميليشيات الموالية لإيران إلى الأداة الأبرز في تفكيك مفاصل الدولة اللبنانية.
إن المشهد اللبناني الراهن ليس مجرد نتيجة لانهيار اقتصادي مفاجئ، بل هو ثمرة مسار طويل من “الدويلة” التي نمت داخل أحشاء “الدولة”، حتى باتت المؤسسات الرسمية مجرد هياكل كرتونية فاقدة للسيادة والقرار.
يعتمد هذا النفوذ على استراتيجية قوامها الترهيب العسكري من جهة، والتعطيل الدستوري من جهة أخرى، مما أدى إلى عزل لبنان عن محيطه العربي والدولي وتحويله إلى منصة لخدمة المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة، على حساب استقرار وازدهار الشعب اللبناني.
التغلغل الميليشياوي في الأجهزة الأمنية والقضائية
تبدأ قصة شلل المؤسسات من إضعاف المرجعية الأمنية الوحيدة للدولة، فالميليشيات الإيرانية في لبنان، وعلى رأسها حزب الله، نجحت في خلق واقع أمني موازٍ جعل من الجيش اللبناني والقوى الأمنية في موقف المحيد أو غير القادر على فرض السيادة في مناطق نفوذ تلك الميليشيات هذا “الإرهاب بالوكالة” لم يتوقف عند الحدود الجغرافية، بل امتد لضرب هيبة القضاء، حيث شهد اللبنانيون مرارًا كيف يتم تعطيل التحقيقات في القضايا الكبرى، ولعل تفجير مرفأ بيروت كان المثال الصارخ على قدرة هذه الميليشيات على تهديد القضاة وعرقلة العدالة، مما خلق حالة من الإفلات من العقاب تقوض أي محاولة لبناء دولة القانون.
إن سيطرة الميليشيا على المطار والمرافئ والمعابر الحدودية لم تكن لأغراض عسكرية فحسب، بل كانت وسيلة لفرض “اقتصاد موازٍ” يعتمد على التهريب والتهرب الضريبي، ما حرم خزينة الدولة من مليارات الدولارات وعجل في وتيرة الانهيار المالي.
شلل القرار السياسي واختطاف الاستحقاقات الدستورية
في الجانب السياسي، اعتمدت ميليشيات إيران سياسة “التعطيل الممنهج” كأداة لفرض إرادتها على اللبنانيين، فمنذ عام 2005، دخل لبنان في دوامة من الفراغات الرئاسية والحكومية المتعمدة، حيث ترفض هذه القوى إتمام أي استحقاق دستوري ما لم يضمن لها السيطرة الكاملة على موازين القوى هذا النوع من الإرهاب السياسي أدى إلى إفراغ المؤسسات من معناها، فأصبح البرلمان ساحة للمناكفات بدلاً من التشريع، وتحولت الحكومات إلى مجالس لتوزيع الحصص تحت وطأة السلاح.
هذا الاختطاف للقرار السيادي جعل من لبنان ورقة تفاوض في يد طهران، حيث يتم رهن المصالح الوطنية اللبنانية بمسار المفاوضات الإقليمية، مما أفقد الدولة اللبنانية قدرتها

