دخل المشهد العسكري في شمال شرق سوريا منعطفًا شديد الخطورة عقب الاستهداف الصاروخي الذي طال قاعدة “خراب الجير” العسكرية في ريف الحسكة، بصلية من صواريخ “آرش 4” إيرانية الصنع انطلقت من العمق العراقي، مما يؤكد تحول الجغرافيا السورية إلى “صندوق بريد” ملتهب لتبادل الرسائل القتالية بين المحاور الإقليمية والدولية المتصارعة.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت حساس تلا تسلّم الجيش السوري لقاعدة “رميلان” الاستراتيجية عقب انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن منها، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة القوات النظامية على تأمين هذه الفراغات السيادية في ظل الضغوط العسكرية المتزايدة.
إن لجوء الفصائل المسلحة العراقية الموالية لطهران إلى استخدام الأراضي السورية كمنصة لتصفية الحسابات مع المصالح الأمريكية أو للرد على الهجمات التي تستهدف إيران منذ 28 فبراير الماضي، يضع الدولة السورية أمام تحدي الحفاظ على أمن حدودها الشرقية، وسط اتهامات متبادلة مع الجانب العراقي بالتقاعس عن ضبط الميليشيات ومنع استخدام الأراضي الحدودية في “ربيعة” و”تل الهوى” لشن عمليات تقوض الاستقرار الإقليمي الهش.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجوم الذي نفذته الفصائل العراقية بسبعة صواريخ انطلقت من شاحنة مموهة تعرضت للحرق لاحقًا لإخفاء معالم الجريمة، لم يكن مجرد عمل عسكري معزول، بل هو جزء من استراتيجية “توحيد الساحات” التي تنتهجها القوى الحليفة لطهران ردًا على الغارات الجوية المنسوبة للولايات المتحدة وإسرائيل والتي استهدفت مقار الميليشيات في العراق وسوريا.
إن اختيار قاعدة “خراب الجير” في منطقة رميلان تحديدًا يحمل رسالة سياسية مزدوجة؛ فهي من جهة تختبر الجاهزية الدفاعية للجيش السوري في المناطق التي أخلاها التحالف مؤخرًا، ومن جهة أخرى تسعى لعرقلة أي محاولات لاستقرار السيطرة الحكومية الكاملة على منابع النفط والمراكز اللوجستية في الحسكة، هذا الصراع الصاروخي الذي يتجاوز الحدود بمسافات تصل إلى 20 كيلومترًا داخل العمق العراقي، يحول السيادة الوطنية إلى مجرد شعارات أمام واقع الميدان الذي تتحكم فيه المنصات المتنقلة والدرونز الانتحارية، مما ينذر بتحول المنطقة الشرقية إلى “ساحة استنزاف” مفتوحة لا تخضع لضوابط الاشتباك التقليدية، بل تتبع إيقاع التصعيد الكلي في الصراع الأمريكي-الإيراني الممتد من مياه الخليج وصولاً إلى ضفاف الفرات.
تداعيات الصدام الحدودي والمسؤولية المشتركة
أثار هذا الهجوم توترًا دبلوماسيًا وأمنيًا غير مسبوق بين دمشق وبغداد، تجلى في التصريحات الحادة لمعاون وزير الدفاع السوري للمنطقة الشرقية، سيبان حمو، الذي حمل السلطات العراقية المسؤولية المباشرة عن “التقاعس” في السيطرة على أراضيها ومنع استخدامها كمنصة للعدوان، وهذا التصريح يعكس حجم القلق السوري من تحول المناطق الحدودية العراقية إلى مناطق خارجة عن القانون تسرح فيها الفصائل المسلحة وتنفذ أجندات عابرة للحدود تضر بالأمن القومي السوري.
ورغم إشارة البيان الرسمي للجيش السوري إلى وجود “تنسيق” مع الجانب العراقي، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى فجوة كبيرة في القدرة على الرصد والاعتراض، خاصة وأن الصواريخ المستخدمة من طراز “آرش 4” تتميز بقدرات تدميرية تهدف لإحداث أضرار مادية كبيرة في البنية التحتية العسكرية.
إن استمرار هذه الهجمات قد يدفع القيادة العسكرية السورية إلى اتخاذ إجراءات دفاعية أكثر صرامة، ربما تشمل ملاحقة المنصات أو تكثيف التواجد الاستخباراتي في المناطق الحدودية المشتركة، وهو ما قد يصطدم بالتعقيدات الميدانية والسياسية داخل العراق الذي يعاني بدوره من غارات جوية خارجية تستهدف فصائله المسلحة الموالية لإيران.
تبقى سوريا هي الضحية الأولى في صراع “صناديق البريد الصاروخية”، حيث يتم استخدام أراضيها وقواعدها لتوجيه ضربات بالوكالة لا تخدم بالضرورة المصالح الوطنية السورية في الاستقرار وإعادة الإعمار.
إن سيناريوهات التصعيد المستقبلي تشير إلى احتمال زيادة وتيرة هذه الهجمات مع اقتراب الحسم في الملفات الإقليمية الكبرى، مما يجعل من منطقة الحسكة ورميلان بؤرة توتر دولية تجذب إليها نيران الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، وإن المخرج الوحيد من هذا النفق المظلم يتطلب اتفاقًا سياسيًا وإقليميًا شاملاً ينهي استخدام الأراضي السورية والعراقية كساحات لتصفية الحسابات، ويعيد للدولة هيبتها وسيطرتها الكاملة على حدودها، وبخلاف ذلك، ستظل “الرسائل الملتهبة” تتوالى على القواعد العسكرية، دافعة بالمنطقة نحو انفجار شامل قد لا تستطيع القوى المحلية احتواءه، في ظل تداخل المصالح الدولية وإصرار القوى الإقليمية على خوض حروبها فوق جثث الجغرافيا السورية المنهكة.

