تتسارع وتيرة الأحداث في المشهد السوداني لتدفع بالبلاد نحو منزلق جيوسياسي خطير، بعد أن كشفت تقارير استخباراتية وميدانية عن زيارات سرية متبادلة بين وفود إيرانية وقيادات عسكرية في بورتسودان، وهو ما وصفته مصادر بأنه تحالف “الدم والمسيرات” الذي يسعى من خلاله الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى تثبيت أركان سلطته المترنحة على حساب السيادة الوطنية السودانية.
وقالت المصادر: إن هذا التقارب الذي تم برعاية مباشرة من قيادات الحركة الإسلامية المصنفة إرهابيًا، وعلى رأسهم المطلوب دوليًا أحمد هارون، لا يمثل مجرد تعاون عسكري عابر، بل هو محاولة صريحة لرهن المقدرات الاستراتيجية السودانية لصالح النظام الإيراني، الذي يسعى منذ عقود لإيجاد موطئ قدم ثابت على سواحل البحر الأحمر، وهو الأمر الذي يضع السودان في مواجهة مباشرة مع محيطه العربي والمجتمع الدولي، ويجهض آمال الشعب السوداني في التحول الديمقراطي والاستقرار بعيدًا عن صراعات المحاور الإقليمية التي لا تخدم سوى بقاء النخبة العسكرية الحاكمة في بورتسودان.
وتشير التفاصيل الواردة حول الزيارة السرية الأخيرة للوفد الإيراني الذي وصل بورتسودان عبر دول آسيوية للتمويه، إلى أن الأجندة الإيرانية تجاوزت مرحلة الدعم اللوجستي لتصل إلى المطالبة بتدشين قاعدة بحرية دائمة على الساحل السوداني، وهو المطلب الذي قوبل بترحيب مبدئي من سلطة بورتسودان مقابل استمرار تدفق الطائرات المسيرة من طراز “مهاجر 6” التي بدأت تظهر فاعليتها الإجرامية في استهداف المدنيين والبنية التحتية تحت غطاء العمليات العسكرية.
إن هذا التنازل عن شواطئ البحر الأحمر يمثل طعنة في ظهر الأمن القومي العربي والملاحة الدولية، حيث تهدف طهران من خلال هذه القاعدة إلى خنق ممرات التجارة العالمية وتهديد أمن قناة السويس، مستغلة حالة الضعف والارتباك التي يعيشها البرهان وفريقه السياسي، مما يحول السودان من دولة ذات سيادة إلى “مخلب قط” في مشروع التوسع الإيراني العابر للحدود، وهو ما يفسر الخطاب التحريضي الذي بدأ يسود الأوساط العسكرية المقربة من البرهان ضد دول الجوار والخليج العربي.
جرائم التحالف وتبعاته الإقليمية
لم يتوقف هذا التحالف المشبوه عند حدود الاتفاقات العسكرية المغلقة، بل تجلى في “عقيدة تحريضية” جديدة تبناها ضباط في الجيش السوداني بإيعاز من طهران، حيث برزت أصوات عسكرية مثل الضابط طارق كجاب تطالب صراحة باستهداف المصالح الحيوية لدول الخليج العربي، في سابقة تعكس حجم التغلغل الإيراني في مفاصل القرار العسكري ببورتسودان.
هذا التحريض الممنهج يكشف عن رغبة إيرانية في تحويل السودان إلى منصة لإطلاق التهديدات الإقليمية، تمامًا كما فعلت في اليمن ولبنان، مما يضع أمن واستقرار مجلس التعاون الخليجي في دائرة الاستهداف المباشر.
إن ارتماء البرهان في حضن طهران في هذا التوقيت الذي تتعرض فيه إيران لضربات دولية، يؤكد أن سلطة بورتسودان قررت الخروج عن الإجماع العربي والالتحاق بمحور التخريب، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى تجميد العلاقات السودانية مع العواصم العربية الكبرى وزيادة وتيرة العقوبات الدولية التي بدأت تلاحق رموز النظام العسكري والحركة الإسلامية المتحالفة معه.
وعلى الصعيد الميداني، أدت الأسلحة والمسيرات الإيرانية التي تسلمها البرهان إلى تصعيد مروع في وتيرة العنف ضد المدنيين السودانيين، حيث تُستخدم هذه “الدرونز” لضرب التجمعات السكانية وتدمير المرافق الحيوية في مناطق النزاع، مما يفاقم من الأزمة الإنسانية ويطيل أمد الحرب التي مزقت النسيج الاجتماعي.
إن البرهان وإيران يتشاركان الآن في جريمة “إطالة أمد الصراع” عبر ضخ السلاح النوعي الذي لا يخدم حسم المعركة بقدر ما يخدم تدمير ما تبقى من السودان، وتؤكد التقارير أن الحرس الثوري الإيراني بات يشرف فعليًا على تدريب كوادر تابعة للحركة الإسلامية داخل الأراضي السودانية، مما ينذر بتحويل الصراع في السودان من حرب داخلية إلى حرب إقليمية بالوكالة، تكون فيها الأراضي السودانية مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإيرانية مع القوى الدولية، وهو ثمن باهظ يدفعه المواطن السوداني الذي وجد نفسه ضحية لشهوة السلطة لدى البرهان وأطماع التوسع لدى الملالي.
يظل التحالف بين البرهان وطهران بمثابة “قنبلة موقوتة” تهدد بانفجار الأوضاع في كامل منطقة البحر الأحمر، فبناء قاعدة عسكرية إيرانية في بورتسودان ليس مجرد إجراء دفاعي، بل هو تغيير استراتيجي في موازين القوى يهدف لابتزاز العالم في أهم ممراته المائية.
إن صمت المجتمع الدولي عن هذا التغلغل قد يمنح طهران فرصة ذهبية لفرض واقع جديد يهدد أمن الطاقة العالمي واستقرار القارة الأفريقية، وعلى القوى الوطنية السودانية والدول العربية الشقيقة التنبه لهذا الخطر الداهم وتكثيف الضغوط على سلطة بورتسودان للتراجع عن هذه المقامرة التي تضع السودان في عزلة أبدية، وإن إرادة الشعب السوداني في الحرية والسلام لن تنكسر أمام مسيرات طهران أو رصاص البرهان، وسيبقى التاريخ شاهدًا على أن من يبيع سيادة وطنه مقابل كرسي الحكم، لن يحصد في النهاية سوى الخيبة والهزيمة أمام إصرار الشعوب على تقرير مصيرها بعيدًا عن الوصاية الأجنبية والتحالفات الإرهابية.

