تتصاعد حدة الأزمات المالية والمعيشية في المناطق المحررة، حيث يواجه المواطنون أزمة سيولة نقدية حادة وشحًا غير مسبوق في العملة المحلية، وهي الأزمة التي لا يمكن فصلها عن الجرائم الاقتصادية الممنهجة التي تشنها مليشيا الحوثي الإرهابية.
إن جذور هذه المعاناة تعود إلى قرار المليشيا التعسفي بمنع تداول الفئات النقدية الجديدة من العملة الوطنية، وهو القرار الذي أحدث انقسامًا نقديًا تاريخيًا شطر الاقتصاد اليمني إلى نصفين وأضعف الدورة النقدية الرسمية للدولة.
هذا التعنت الحوثي لم يكن مجرد قرار إداري، بل كان بمثابة “إعلان حرب صامتة” يهدف إلى تجفيف السيولة في المحافظات التابعة للحكومة الشرعية وضرب الاستقرار المالي فيها، مما دفع شركات الصرافة والتجار تحت ضغوط خفية ومضاربات حوثية إلى إخفاء العملة المحلية والمطالبة بعمولات تحويل خيالية، الأمر الذي جعل المواطن اليمني يجد نفسه عاجزًا عن التصرف بمدخراته أو حتى استلام حوالات المغتربين بالعملة المحلية، ليتحول الريال اليمني إلى ضحية لسياسات التدمير الممنهج التي تتبعها المليشيا لتركيع الشعب وتجويعه.
استهداف موارد الدولة ونهب الموارد النفطية لتمويل الإرهاب الحوثي
ترتبط أزمة السيولة وتعثر صرف رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين بشكل مباشر بجرائم المليشيا الحوثية واستهدافها المتكرر لمنشآت تصدير النفط والغاز عبر الطائرات المسيرة، وهي الجريمة التي أدت إلى توقف المورد الرئيسي للسيولة النقدية والعملة الصعبة في البلاد.
إن هذا “الإرهاب الاقتصادي” يهدف بالدرجة الأولى إلى حرمان الحكومة الشرعية من الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، وخلق حالة من السخط الشعبي في المناطق المحررة عبر تجويع المئات من آلاف الأسر.
وفي الوقت الذي ترفض فيه المليشيا صرف رواتب الموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرتها رغم العائدات الهائلة التي تجنيها من ميناء الحديدة والضرائب والجبايات، تسعى بكل قوتها لتعطيل محركات الاقتصاد في المحافظات المحررة، هذا التكالب الحوثي تسبب في خلق فجوة نقدية هائلة استغلها صرافون وتجار جشعون يعملون كأدوات مالية للمليشيا، حيث يمارسون عملية إخفاء العملة المحلية لرفع أسعارها وتحقيق مكاسب غير مشروعة، مما فاقم الأوضاع المعيشية وحول حياة البسطاء إلى جحيم مستمر في ظل غلاء فاحش يطال الغذاء والدواء وحتى ملابس العيد.
جشع الصرافين والشبكات المالية الحوثية.. حصار الحوالات وأموال المغتربين
في ظل هذه الحرب الاقتصادية، برزت ممارسات إجرامية لشركات الصرافة التي تحول بعضها إلى أذرع مالية للمليشيا الحوثية في قلب المناطق المحررة، حيث يمارس هؤلاء الصيارفة عملية “تجميد السيولة” عبر رفض صرف الحوالات الخارجية للمواطنين بالعملة المحلية إلا بقدر محدود جداً وبشكل مهين، مما يضطر المواطن للتردد على أكثر من صراف أو النزول اليومي للحصول على مبالغ زهيدة من مستحقاته.
إن هذه الأزمة المفتعلة تهدف إلى ضرب الثقة بالنظام المصرفي الشرعي وتوجيه الكتلة النقدية نحو الأسواق السوداء التي تسيطر عليها المليشيا في صنعاء، كما أن ضبط أجهزة أمنية لشحنات من معدات تعدين العملات الرقمية المهربة لصالح الحوثي يكشف عن وجه آخر للجريمة، حيث تسعى المليشيا لتبييض الأموال المنهوبة وتحويل السيولة المحلية إلى أصول رقمية بعيدًا عن الرقابة، وهو ما يستنزف السيولة من السوق المحلية ويزيد من حدة الانكماش الاقتصادي، ليجد الموظف المغلوب على أمره نفسه أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما انتظار راتب متعثر أو قبول صرف حوالته بعمولات تنهب نصف قيمتها، في ظل عجز رقابي ميداني عن إيقاف هذا التغول الحوثي في القطاع المصرفي.
تداعيات الغلاء المعيشي وغياب الرقابة على الأسواق في المناطق المحررة
لم تكتفِ مليشيا الحوثي بتجفيف السيولة، بل مارست ضغوطًا عبر شبكاتها من كبار التجار لضمان بقاء أسعار السلع الغذائية مرتفعة رغم أي تحسن يطرأ على سعر صرف الريال اليمني، فالمواطن في عدن والمحافظات المجاورة لم يستشعر أي تعافٍ نقدي بسبب “الحرب الصامتة” التي يشنها التجار والصيارفة بالتنسيق مع غرف التجارة الخاضعة للحوثي.
إن غياب الدور الرقابي الصارم للسلطات المحلية في المناطق المحررة منح هؤلاء الجشعين فرصة ذهبية لمضاعفة أرباحهم على حساب جوع الفقراء، حيث تُحرم الأسر من فرحة العيد واحتياجات رمضان بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار الذي لا يبرره أي منطق اقتصادي سوى الرغبة في الإبادة الجماعية الاقتصادية التي يمارسها الحوثي بالوكالة، إن هذه الممارسات تحول دون تحسن الأوضاع المعيشية وتعمق من معاناة الفئات محدودة الدخل، مما يجعل من الضروري على الحكومة الشرعية والبنك المركزي اليمني اتخاذ إجراءات رادعة لكسر الاحتكار الحوثي للسيولة وإعادة تنظيم قطاع الصرافة، بما يضمن وصول الأموال إلى مستحقيها وحماية الأسواق من التلاعب الممنهج الذي يخدم المجهود الحربي للمليشيا الانقلابية.

