تعد جريمة تجويع الشعب اليمني من قبل ميليشيا الحوثي، وبدعم مباشر من النظام الإيراني، واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية التي شهدها القرن الحادي والعشرين، حيث تشير التقارير الميدانية لعام 2026 إلى أن الميليشيا قامت بإنشاء شبكة معقدة للسيطرة على تدفق المساعدات الإنسانية القادمة عبر الموانئ والمنافذ الخاضعة لسيطرتها.
وتقوم هذه الشبكة بمصادرة الشحنات الغذائية والدوائية المخصصة للفئات الأكثر احتياجًا وتحويلها إلى مخازن تابعة لما يسمى “المجهود الحربي” أو بيعها في السوق السوداء بأسعار باهظة لتمويل أنشطة الميليشيا العسكرية.
وترى مصادر أن هذه السياسة ليست عشوائية بل هي استراتيجية إيرانية مجربة تهدف إلى إخضاع السكان المحليين عبر السيطرة على لقمة عيشهم، وتحويل المساعدات الدولية إلى وسيلة للمساومة السياسية والمالية، مما أدى إلى تفاقم معدلات سوء التغذية الحاد ووصول ملايين اليمنيين إلى حافة المجاعة الفعلية في ظل صمت دولي لم ينجح حتى الآن في وضع حد لهذا السطو المنظم على حقوق الجوعى.
تحويل الإغاثة لتمويل الترسانة الإيرانية
إن السجل الأسود للحوثي وإيران في نهب المساعدات يتجاوز مجرد السرقة التقليدية ليصل إلى مستوى “التمويل الإرهابي” الممنهج، حيث وثقت لجان الرقابة الدولية قيام الميليشيا بفرض جبايات واتاوات على المنظمات الدولية مقابل السماح لها بالعمل، واشتراط توزيع المعونات عبر كشوفات تضم أسماء الموالين للميليشيا وعائلات مقاتليها فقط، بينما يُحرم المدنيون المستحقون من أبسط مقومات الحياة، والأخطر من ذلك هو استخدام عوائد بيع المساعدات المنهوبة في تمويل عمليات تهريب قطع الصواريخ والمسيرات القادمة من طهران؛ مما يعني أن المساعدات التي يدفع ثمنها المجتمع الدولي لإنقاذ الأرواح تنتهي في نهاية المطاف بتمويل الأسلحة التي تقتل ذات الشعب اليمني وتهدد أمن الجوار.
وهذا الربط الوظيفي بين العمل الإغاثي والتمويل العسكري يعكس مدى تغلغل المستشارين الإيرانيين في إدارة الملفات الحيوية داخل هيكل الميليشيا، حيث يتم تغليب لغة الموت والتدمير على أولوية البقاء والعيش الكريم لليمنيين.
التلاعب بقوائم المستفيدين وتجريف العمل الإنساني
مارس الحوثيون ضغوطًا هائلة على وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية لتجريف العمل الإنساني من محتواه، عبر استبدال الكوادر المحلية المستقلة بعناصر عقائدية تدين بالولاء المطلق لمرشد الثورة في إيران.
وقامت الميليشيا بحظر الوصول إلى المناطق المتضررة بشدة إلا بعد دفع مبالغ مالية ضخمة تحت مسميات “رسوم حماية” أو “دعم القوافل”.
كما تعمدت الميليشيا تعطيل المسوحات الميدانية التي تهدف لتحديد المحتاجين الحقيقيين، واستبدالها ببيانات وهمية تخدم أهداف التوسع الطائفي، ويعد هذا التلاعب جريمة مضاعفة، لأنه لا يكتفي بسرقة الغذاء بل يمنع وصول الحقائق للعالم، ويقدم صورة مضللة عن حجم المأساة لاستمرار تدفق المنح الدولية التي تذهب جيوب القادة الحوثيين والشركات الإيرانية الوسيطة؛ مما جعل العمل الإغاثي في مناطق سيطرة الحوثي وسيلة لإطالة أمد الحرب بدلاً من تقليص معاناتها، في ظل غياب الرقابة الحقيقية والآليات الصارمة لتتبع مسار المساعدات من الميناء إلى المستفيد النهائي.
تجويع الرواتب ونهب الاحتياطي النقدي
لا تنفصل جريمة نهب المساعدات عن جريمة نهب رواتب الموظفين المدنيين التي دخلت عامها العاشر من الانقطاع في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث استولت الميليشيا على مئات المليارات من الإيرادات العامة والضرائب والجمارك والزكاة، وبدلاً من صرفها كرواتب للمواطنين الجوعى، تم توجيهها بالكامل لبناء إمبراطورية مالية تابعة للقيادات الحوثية ومرتبطة بشبكات غسيل أموال إيرانية.
وأدى هذا “التجويع الاقتصادي” -المخطط له بعناية- إلى انهيار القدرة الشرائية للمواطن اليمني، مما جعل الاعتماد على المساعدات الإنسانية هو الخيار الوحيد للبقاء، وعندما يقوم الحوثي بنهب هذه المساعدات فإنه يضع الشعب بين خيارين: إما الموت جوعًا أو الالتحاق بالجبهات للحصول على الغذاء، وهي جريمة “إبادة جماعية ناعمة” تُنفذ بإشراف تقني من خبراء إيرانيين متخصصين في إدارة الأزمات المعيشية، مما يثبت أن المشروع الحوثي الإيراني في اليمن لا يحمل أي رؤية للدولة أو التنمية، بل هو مجرد آلة لسحق الإنسان واستعباده عبر الحاجة والجوع.

