ذات صلة

جمع

الحوثي وإيران.. سجل أسود من نهب المساعدات الإنسانية وتجويع الشعب اليمني

تعد جريمة تجويع الشعب اليمني من قبل ميليشيا الحوثي،...

“حرب المحاكم”.. كيف تحولت الصراعات السياسية إلى أروقة القضاء الليبي؟

دخلت الدولة الليبية نفقًا مظلمًا جديدًا بعد أن انتقلت...

كيف تعرقل الانتهاكات المستمرة مسار التعافي في سوريا؟

أكد التقرير الأممي الأخير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية...

جرائم الإخوان والبرهان في السودان.. سجل أسود من القمع والتمكين ينتهي بتصنيف الإرهاب

تمثل جماعة الإخوان في السودان، عبر واجهتها السياسية "الحركة...

“حرب المحاكم”.. كيف تحولت الصراعات السياسية إلى أروقة القضاء الليبي؟

دخلت الدولة الليبية نفقًا مظلمًا جديدًا بعد أن انتقلت الصراعات السياسية المحتدمة من الميادين العسكرية وطاولات المفاوضات المتعثرة إلى أروقة القضاء، فيما بات يُعرف بـ “حرب المحاكم” التي تهدد بهدم القلعة الأخيرة التي ظلت متماسكة طوال سنوات النزاع الماضي.

وبدأت هذه الأزمة تتفاقم مع محاولات الأطراف السياسية في شرق وغرب البلاد السيطرة على مفاصل القرار القضائي عبر إصدار تشريعات متضاربة وإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة العليا وفقًا للولاءات الجهوية والسياسية، مما أدى إلى حالة من الشلل القانوني والارتباك في تنفيذ الأحكام.

حيث ترى مصادر، أن تحويل القضاء إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية يمثل طعنة في قلب السيادة الوطنية، ويجعل من أحكام العدالة مطعنًا في شرعيتها، وهو ما ينذر بانهيار شامل لهيبة الدولة التي باتت بلا مرجعية قانونية موحدة تحظى بقبول كافة الأطراف والفرقاء السياسيين.

صراع المجالس القضائية وضرب وحدة المؤسسة

إن جوهر “حرب المحاكم” الحالية يكمن في النزاع القانوني المرير حول رئاسة وشرعية المجلس الأعلى للقضاء، حيث تشهد البلاد وجود مجلسين يدعي كل منهما الشرعية القانونية والدستورية، أحدهما يتخذ من طرابلس مقرًا له والآخر يباشر مهامه من المنطقة الشرقية، وهذا الانقسام لم يقتصر على الهيكل الإداري بل امتد ليشمل تعيين القضاة ونقلهم، مما خلق بيئة قضائية مشتتة يسهل فيها التدخل من قبل السلطة التنفيذية أو القوى المسلحة.

وتكمن الخطورة الكبرى في أن هذا التشظي القضائي ينسف مبدأ “الفصل بين السلطات”، حيث باتت القرارات القضائية تُصمم لخدمة توجهات سياسية معينة أو لإعاقة قرارات الخصوم، وهو ما جعل المحاكم العليا والدوائر الدستورية في مرمى النيران السياسية، مما أضعف قدرتها على الفصل في النزاعات الكبرى المتعلقة بالدستور والقوانين الانتخابية، وترك البلاد في حالة من “الفراغ العدلي” الذي يهدد بحرمان المواطن الليبي من حقه الأصيل في التقاضي أمام جهة محايدة وموحدة.

تداعيات الانقسام القضائي على المسار الانتخابي

يمثل انقسام القضاء الليبي في عام 2026 العائق الأكبر والأساسي أمام إجراء أي انتخابات رئاسية أو برلمانية نزيهة، حيث إن العملية الانتخابية تعتمد بشكل كلي على نزاهة القضاء في الفصل في الطعون الانتخابية والتحقق من أهلية المرشحين.

وفي ظل وجود قضاء منقسم، لن تكون هناك جهة قضائية عليا قادرة على إصدار حكم بات ونهائي يحظى باعتراف الجميع، مما يعني أن أي نتائج انتخابية ستكون عرضة للرفض والطعن من الطرف الآخر، وهو ما قد يقود البلاد إلى دورة جديدة من العنف.

وتؤكد التقارير الدولية، أن استمرار “حرب المحاكم” يجعل من الحديث عن استقرار سياسي ضربًا من الخيال.

إذ إن الأطراف السياسية باتت تستخدم الطعون القضائية كـ “أسلحة قانونية” لتعطيل المسار الديمقراطي ومنع الخصوم من التقدم، وهذا التسييس الفج جعل من المؤسسة القضائية طرفًا في النزاع بدلاً من أن تكون الحكيم والفيصل فيه، مما يتطلب تدخلاً عاجلاً لتوحيد المنظومة القانونية قبل فوات الأوان.

مخاوف الإفلات من العقاب وتهديد الحقوق

بعيدًا عن الصراعات السياسية الكبرى، يدفع المواطن الليبي البسيط الثمن الأكبر لهذه الفوضى القضائية، حيث أدى انقسام المحاكم إلى تعطل آلاف القضايا المدنية والجنائية وضياع الحقوق والملكيات نتيجة تضارب الأحكام بين المدن المختلفة، والأخطر من ذلك هو تنامي مخاوف الإفلات من العقاب، حيث يجد مرتكبو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في هذا الانقسام ثغرة قانونية للهرب من الملاحقة عبر اللجوء إلى مناطق تقع تحت ولاية قضائية موالية لهم.

ويحذر حقوقيون من أن “حرب المحاكم” قد أضعفت الرقابة القضائية على مراكز الاحتجاز والسجون؛ مما أدى إلى تراجع مؤشرات حقوق الإنسان في ليبيا لعام 2026.

إن غياب المرجعية القانونية الموحدة يشجع على انتشار الجريمة المنظمة والفساد المالي والإداري، حيث تصبح الأموال المنهوبة والاتفاقيات الدولية المشبوهة بعيدة عن مقصلة القانون، مما يجعل من إصلاح القضاء وتوحيده ضرورة ملحة لاستعادة السلم الأهلي والاجتماعي.

مستقبل العدالة في ليبيا وفرص الحل

إن الخروج من أزمة “حرب المحاكم” يتطلب توافقًا وطنيًا شاملاً يبدأ بالاعتراف بأن القضاء خط أحمر يجب عدم الزج به في الصراعات السياسية، ويقترح قانونيون ضرورة العودة إلى القوانين المنظمة للقضاء قبل حدوث الانقسام، وتشكيل لجنة قضائية عليا محايدة تضم كبار المستشارين من كافة الأقاليم الليبية للإشراف على مرحلة انتقالية قضائية تهدف لتوحيد المجالس والمحاكم.

كما يجب على البعثة الأممية والمجتمع الدولي تقديم الدعم الفني والحماية للقضاة لضمان استقلاليتهم بعيدًا عن ترهيب الجماعات المسلحة، إن استعادة هيبة القضاء الليبي هي الخطوة الأولى نحو استعادة هيبة الدولة والسيادة الوطنية، وبدون منصة عدالة قوية وموحدة.

ستظل ليبيا تدور في حلقة مفرغة من النزاعات القانونية التي تغذي الصراعات السياسية والعسكرية، ليبقى الأمل معلقًا على ضمير القضاة الوطنيين لتجاوز هذا الانقسام التاريخي وبناء مستقبل يقوم على سيادة القانون والعدالة للجميع في عام 2026 وما يليه.