ذات صلة

جمع

تحت مجهر النار.. كيف يتم استنزاف الحرس الثوري في معقل دارة بضربات نوعية؟

دخلت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع النظام الإيراني مرحلة حاسمة...

“الذهب الأسود” المفقود.. كيف يواجه العراق شبح الإفلاس في ظل تعثر مبيعات النفط؟

أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، حالة...

شبح التوغل يتصاعد.. إسرائيل تلوّح بتكرار سيناريو غزة في لبنان

تتجه المواجهة بين إسرائيل وحزب الله نحو مرحلة أكثر...

حرب بلا نهاية واضحة.. أسابيع النار ترسم ملامح مواجهة مفتوحة

مع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثالث، تتجه الأنظار...

تجارة الآلام في دهاليز الإخوان.. كيف تبخرت تبرعات الإخوان بين لندن وإسطنبول؟

تشير المعطيات الراهنة إلى تصاعد غير مسبوق في حدة الصراعات الداخلية بين جبهتي لندن وإسطنبول داخل تنظيم الإخوان، وهو الصراع الذي تجاوز حدود السياسة والتنظيم ليصل إلى ملف “الأموال المنهوبة” المخصصة لدعم أسر السجناء والعناصر المتضررة في الداخل.

إن ما يحدث اليوم في دهاليز التنظيم يعكس حالة من الانحلال الأخلاقي والمالي، حيث تحولت التبرعات التي تُجمع تحت مسميات “الزكاة” و”الصدقات” و”دعم المظلومين” إلى وقود لتمويل حياة الرفاهية والقصور التي يقطنها كبار القيادات في العواصم الأوروبية، بينما تُركت القواعد في الداخل تواجه مصيرًا مجهولاً وسط حالة من العوز والفقر، وإن كواليس نهب هذه التبرعات تكشف عن وجود “مافيا مالية” داخل التنظيم تدير شبكات معقدة من الحسابات البنكية والشركات الوهمية، حيث يتم استقطاع نسب ضخمة من المساعدات قبل وصولها لمستحقيها؛ مما أدى إلى غليان مكتوم داخل صفوف القواعد التي بدأت تتساءل علانية عن مصير الملايين التي تُجمع سنويًا باسمهم ولا يصلهم منها إلا الفتات.

وتشير التسريبات الأخيرة المنبثقة من الصراع المشتعل بين جبهة “محمود حسين” في إسطنبول وجبهة “صلاح عبد الحق” في لندن، إلى أن ملف المساعدات الإنسانية بات يمثل “كعكة تمويلية” يسعى كل طرف للاستئثار بها لتعزيز نفوذه وشراء الولاءات داخل التنظيم، حيث يتم استخدام هذه الأموال كسلاح للضغط على العناصر المترددة أو لمعاقبة المخالفين في الرأي عبر قطع المساعدات عن أسرهم.

هذا المشهد القاتم يبرز الوجه الحقيقي لتجارة الآلام التي يمارسها الإخوان، حيث لا يرى القادة في معاناة أتباعهم سوى وسيلة لاستدرار عطف المانحين في الخارج، ومن ثم تحويل تلك التدفقات المالية إلى استثمارات خاصة وعقارات مسجلة بأسماء مقربين من الدائرة القيادية الضيقة، وهو ما يفسر لماذا تصر القيادات على بقاء الوضع كما هو عليه دون أي شفافية أو رقابة مالية، لأن الوضوح يعني ببساطة انكشاف حجم السرقات والعمولات التي تُقتطع من “أقوات الغلابة” لتسمين ثروات “أمراء الجماعة” الذين يعيشون في بروج عاجية بعيدًا عن واقع السجون والملاحقات الأمنية.

الابتزاز الأخلاقي والمالي

تعد واحدة من أكثر الفضائح المدوية التي هزت أركان التنظيم مؤخرًا هي اتهام بعض العناصر والقيادات الوسطى بممارسة عمليات “ابتزاز ممنهج” ضد زوجات وأمهات السجناء، وهي القضية التي أخرجت الانقسامات من إطارها المالي إلى إطار أخلاقي كارثي، حيث تداولت تقارير مسربة شهادات مؤلمة عن مساومة بعض الأسر على حصصهم من المعونة الشهرية مقابل تقديم خدمات معينة أو إعلان الولاء المطلق لجناح بعينه.

إن هذا التردي الأخلاقي لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة طبيعية لتحول الجماعة إلى هيكل “نفعي برجماتي” تلاشت فيه القيم الدعوية التي كانت تُرفع كشعارات زائفة، حيث أصبح المتحكم في “صنبور الأموال” يمتلك سلطة مطلقة على رقاب المحتاجين، وهو ما دفع العديد من أسر السجناء إلى الخروج عن صمتهم والمطالبة بفتح تحقيقات مستقلة، متهمين القيادات المقيمة في تركيا وبريطانيا باستغلال مآسيهم لجمع ثروات طائلة، بينما يضطر ذووهم في الداخل إلى التسول للحصول على ثمن الدواء أو الرعاية الصحية الأساسية، مما يضع الجماعة أمام “سقوط حر” لشرعيتها الأخلاقية أمام التاريخ.

وفي سياق متصل، كشفت التحليلات الجيوسياسية لعام 2026 أن جبهة إسطنبول باتت تتهم نظيرتها في لندن بالاستيلاء على مخصصات “اللجنة النقابية” وأموال “صندوق التكافل”، وهي مبالغ تقدر بملايين الدولارات كانت مخصصة بالأساس للحالات الإنسانية، ولكنها وُجهت لتمويل منصات إعلامية فاشلة وشراء مساحات إعلانية لتلميع صورة قيادات بعينها.

هذا التبادل الفج للاتهامات بين الجناحين فضح آليات “غسيل الأموال” التي يتبعها التنظيم، حيث يتم تحويل التبرعات الإنسانية إلى أنشطة تجارية واستثمارات في قطاع العقارات والمطاعم والخدمات في الخارج، تحت غطاء دعم “العمل الوطني”، والحقيقة أن هذه الأموال لا تعود بالنفع إلا على طبقة “النخبة التنظيمية” وأبنائهم الذين يدرسون في أرقى الجامعات العالمية، في حين تظل زوجات السجناء في فخ الحاجة والابتزاز، مما يعمق الفجوة الطبقية والنفسية داخل الجماعة ويؤذن بانهيار وشيك للهيكل التنظيمي الذي لم يعد يجمعه سوى “وحدة المصالح المالية” بعد أن تآكلت المبادئ الفكرية تحت وطأة الفساد.

انهيار الثقة وسقوط الأقنعة

مع استمرار هذه الفضائح المالية، يبدو أن عام 2026 سيشكل نقطة تحول في تاريخ الإخوان، حيث بدأت بوادر “تمرد القواعد” تظهر بوضوح في البيانات الغاضبة التي تصدرها مجموعات شبابية تطالب بمحاسبة “لصوص المساعدات”، هؤلاء الشباب الذين أدركوا متأخرين أنهم كانوا ضحية لأكبر عملية خداع في التاريخ الحديث، حيث تم إيهامهم بالجهاد والتضحية بينما كان قادتهم يخططون لكيفية تقسيم الغنائم المنهوبة من دماء ومعاناة الضحايا.

إن تجارة الآلام في دهاليز الإخوان قد بلغت نهايتها المنطقية، وهي الانكشاف التام أمام الرأي العام، حيث لم يعد ممكناً التستر على القصور والسيارات الفارهة والحسابات البنكية المتضخمة بأسماء القيادات وأقاربهم، في ظل واقع مأساوي يعيشه آلاف الأسر الذين فقدوا معيلهم وأصبحوا عالة على المجتمع بسبب سياسات التنظيم الرعناء وإن صراع الأجنحة الحالي ليس صراعًا على “الإصلاح”، بل هو صراع بين “لصوص قدامى” و”لصوص جدد” يحاول كل منهم إزاحة الآخر للسيطرة على ما تبقى من مصادر التمويل الخارجي التي بدأت تجف بسبب تزايد الوعي الدولي بطبيعة هذه الجماعة الإجرامية.