ذات صلة

جمع

صناعة الميليشيات.. كيف يطور الخبراء الإيرانيون ترسانة إخوان السودان العسكرية؟

تشهد الساحة السودانية في الآونة الأخيرة تطورًا دراماتيكيًا في...

دبلوماسية “حافة الهاوية”.. هل تملك الأمم المتحدة أدوات حقيقية لوقف الحرب في لبنان؟

مع تصاعد وتيرة "الأعمال العدائية" العابرة للحدود في لبنان...

بين نيران “المسيرات” وصراعات النفوذ.. لماذا هبط زيلينسكي في الشرق الآن؟

في مشهد سياسي لم يكن ليتوقعه أكثر المحللين تفاؤلاً...

إيران المنهكة.. هل تجلس طهران على طاولة المفاوضات بشروط ترامب القاسية؟

تتصاعد في الآونة الأخيرة حدة التساؤلات حول طبيعة المسار...

واشنطن تعزز دفاعاتها في الشرق الأوسط بنقل منظومة «ثاد» من كوريا الجنوبية

بدأت الولايات المتحدة نقل أجزاء من منظومة الدفاع الصاروخي...

دبلوماسية “حافة الهاوية”.. هل تملك الأمم المتحدة أدوات حقيقية لوقف الحرب في لبنان؟

مع تصاعد وتيرة “الأعمال العدائية” العابرة للحدود في لبنان واستخدام تقنيات عسكرية متطورة مثل المسيرات الانتحارية والصواريخ الدقيقة، يبدو أن لغة “القلق الشديد” التي دأبت الأمانة العامة للأمم المتحدة على استخدامها لم تعد كافية لردع الأطراف المتصارعة أو حماية المدنيين العزل.

إن الأدوات التقليدية المتمثلة في البعثات الدبلوماسية، والبيانات الرئاسية لمجلس الأمن، وحتى تواجد قوات حفظ السلام “اليونيفيل” في جنوب لبنان، باتت جميعها تحت اختبار المصداقية والقدرة على التأثير الميداني، في ظل تجاوز واضح لكافة الخطوط الحمراء التي رسمتها القرارات الدولية السابقة وعلى رأسها القرار 1701.

فاعلية قوات اليونيفيل

تمثل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” الأداة الميدانية الأبرز للمنظمة الدولية، إلا أن دورها في عام 2026 بات محصورًا بشكل كبير في رصد الخروقات وتقديم المساعدات الإنسانية المحدودة، بدلاً من القيام بدورها الأساسي في ضمان خلو منطقة جنوب الليطاني من السلاح والمسلحين.

إن عجز هذه القوات عن التدافع المباشر لوقف إطلاق النار ينبع من طبيعة تفويضها الذي لا يمنحها صلاحيات قتالية أو فرض السلام بالقوة، مما يجعلها عرضة للاستهداف أو التهميش أثناء العمليات العسكرية الواسعة، ومع ذلك، تظل “اليونيفيل” قناة الاتصال الوحيدة المتبقية بين الأطراف المتنازعة عبر ما يعرف بـ “الاجتماعات الثلاثية”، وهي أداة دبلوماسية تقنية تحاول الأمم المتحدة من خلالها منع الانزلاق نحو حرب شاملة ومدمرة تأتي على الأخضر واليابس في الدولة اللبنانية المثقلة بالأزمات.

تحديات مجلس الأمن الدولي

تكمن العقدة الحقيقية في مسار الحل الأممي داخل أروقة مجلس الأمن الدولي في نيويورك، حيث تصطدم الرغبة الدولية في وقف القتال بحسابات القوى الكبرى وتضارب مصالحها الجيوسياسية في المنطقة.

فبينما تدعو بعض الدول إلى فرض عقوبات صارمة أو تعديل مهام القوات الدولية لتصبح أكثر هجومية، تستخدم دول أخرى حق النقض “الفيتو” لمنع صدور قرارات قد تضعف حلفاءها على الأرض، مما يحول مجلس الأمن من منصة لحفظ السلم والأمن الدوليين إلى ساحة للمساومات السياسية.

هذا الشلل الدبلوماسي يعطي الضوء الأخضر ضمنيًا لاستمرار العمليات العسكرية، ويجعل من تحذيرات الأمم المتحدة مجرد صرخة في وادٍ سحيق، لا تجد صدى لها في الميدان الذي تحكمه لغة الصواريخ والمسيرات بدلاً من لغة المواثيق والعهود الدولية التي تأسست عليها المنظمة.

المسار الإنساني كبديل سياسي

أمام تعثر المسار السياسي والعسكري، تحول ثقل العمل الأممي في لبنان نحو الجانب الإنساني والإغاثي كأداة وحيدة لتقليل كلفة الحرب البشرية، حيث تسعى وكالات الأمم المتحدة مثل “الأونروا” ومنظمة الصحة العالمية إلى توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة للنازحين والمنكوبين.

وتستخدم الأمم المتحدة في هذا السياق دبلوماسية “الممرات الآمنة” والهدن الإنسانية المؤقتة لإدخال المساعدات الطبية والغذائية للمناطق المحاصرة، وهي أداة رغم أهميتها الحيوية، إلا أنها لا تعالج جذور الصراع بل تحاول مداواة جراحه الظاهرة.

إن التركيز على الجانب الإنساني يعكس اعترافًا ضمنيًا من المنظمة الدولية بفشلها في فرض حل سياسي مستدام، مما يجعل لبنان يعيش حالة من “الاحتضار المستقر” تحت رعاية المساعدات الدولية التي بالكاد تكفي لمنع حدوث مجاعة شاملة أو انهيار كلي للمنظومة الصحية.

آفاق المستقبل والدور المأمول

يمكن القول: إن الأمم المتحدة تملك “القوة الناعمة” والشرعية القانونية، لكنها تفتقر إلى “الإرادة الصلبة” والاتفاق الدولي اللازمين لفرض وقف الحرب في لبنان.

وإن الانتقال من مرحلة التحذير إلى مرحلة الفعل يتطلب إصلاحًا جذريًا في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمات الممتدة، وتجاوز منطق إدارة الصراعات نحو منطق حلها بشكل نهائي.

وسيبقى لبنان ساحة مفتوحة لكافة السيناريوهات ما لم تنجح الدبلوماسية الأممية في صياغة اتفاق إقليمي ودولي جديد يضمن سيادة الدولة اللبنانية ويحيدها عن صراعات المحاور وإن الكرة الآن في ملعب القوى الكبرى داخل مجلس الأمن، فإما أن تتحول الأمم المتحدة إلى أداة حقيقية لصناعة السلام، أو تظل مجرد مراقب يسجل ضحايا حرب كان بالإمكان تفاديها لو امتلك العالم شجاعة القرار وفرض القانون الدولي على الجميع دون استثناء.

spot_img