تتصاعد في الآونة الأخيرة حدة التساؤلات حول طبيعة المسار الذي ستسلكه إيران في التعامل مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية المركبة التي تنهك الجسد الإيراني من الداخل.
وقالت مصادر: إن المشهد الحالي يضع صانع القرار في طهران أمام خيارات أحلاها مر: فإما الاستمرار في سياسة “المقاومة القصوى” وما يتبعها من انهيار محتمل للعملة المحلية وتزايد السخط الشعبي، أو الانصياع لضغوط واشنطن والجلوس على طاولة مفاوضات لا ترحم، تهدف بالأساس إلى تفكيك نفوذ طهران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي، وهو ما يراه التيار المتشدد في إيران انتحارًا سياسيًا وتخليًا عن ثوابت الثورة.
الواقع الاقتصادي المتردي وقدرة التحمل الإيرانية
يعيش الاقتصاد الإيراني حالة من التخبط غير المسبوق، حيث تسببت العقوبات التاريخية التي فرضتها إدارة ترامب السابقة في تقويض قدرة الدولة على تصدير النفط بشكل قانوني؛ مما أدى إلى عجز ضخم في الموازنة العامة وتضخم جامح تجاوز حدود السيطرة.
هذا الواقع المرير لم يعد مجرد أرقام في التقارير الدولية، بل تحول إلى وقائع يومية يعيشها المواطن الإيراني الذي يرى قوته الشرائية تتلاشى أمام العملات الأجنبية.
إن استنزاف الموارد في الصراعات الإقليمية ودعم الأذرع العسكرية في الخارج أدى إلى تآكل الحاضنة الشعبية للنظام، مما يجعل الجلوس على طاولة المفاوضات خيارًا اضطراريًا لتجنب انفجار داخلي قد لا تستطيع الأجهزة الأمنية احتواءه هذه المرة، خاصة مع إدراك طهران أن ترامب في ولايته الثانية قد يكون أكثر تصميماً على إبرام “الصفقة الكبرى” التي تنهي الطموحات النووية الإيرانية للأبد.
استراتيجية ترامب والضغط الأقصى في نسخته الجديدة
من المتوقع أن يعيد دونالد ترامب إحياء استراتيجية “الضغط الأقصى” ولكن بأسلوب أكثر صرامة وربما بدعم دولي أوسع أو بتوافقات إقليمية جديدة تشمل قوى كبرى في المنطقة.
ترامب لا يسعى فقط لتعديل الاتفاق النووي، بل يطمح إلى فرض شروط قاسية تتناول السلوك الإيراني الشامل، بما في ذلك إنهاء دعم الميليشيات المسلحة في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
هذه الشروط تمثل معضلة كبرى لطهران، لأن التخلي عن هذه الأوراق يعني تجريد النظام من دروعه الدفاعية الخارجية، ومع ذلك، فإن التجربة السابقة أثبتت أن طهران تجيد الرقص على حافة الهاوية، وقد تحاول تقديم تنازلات شكلية أو تكتيكية لكسب الوقت، إلا أن شخصية ترامب البراغماتية والميالة لعقد الصفقات المباشرة قد لا تمنح الإيرانيين مساحة المناورة التي اعتادوا عليها مع الإدارات الديمقراطية.
مستقبل الاتفاق النووي في ظل التهديدات الإقليمية
لا يمكن فصل الملف النووي عن المشهد الإقليمي المشتعل، فإيران اليوم ليست هي إيران التي وقعت اتفاق 2015؛ إذ اقتربت بنسبة كبيرة من مستويات تخصيب تسمح لها بإنتاج سلاح نووي، وهو ما يمثل خطًا أحمر ليس لواشنطن فحسب، بل لتل أبيب والعواصم الأوروبية أيضًا.
ترامب يدرك أن الوقت يداهم الجميع، وأن سياسة الاحتواء لم تعد كافية، مما يرجح لجوءه إلى خيارات اقتصادية أكثر فتكًا أو حتى التلويح بالخيار العسكري لانتزاع تنازلات جوهرية.
في المقابل، تراهن طهران على علاقاتها مع الصين وروسيا لكسر الحصار، لكن هذه القوى الكبرى قد لا تضحي بمصالحها الواسعة مع الولايات المتحدة من أجل حماية الاقتصاد الإيراني المنهار، مما يترك طهران وحيدة في مواجهة عاصفة ترامب القادمة.
سيناريوهات الطاولة المستديرة والصفقة الشاملة
إذا ما قررت طهران الجلوس على طاولة المفاوضات، فإنها ستحاول جاهدة أن تظهر بمظهر الند للند، وهو ما سيرفضه ترامب جملة وتفصيلاً.
السيناريو المرجح هو الوصول إلى “اتفاق مؤقت” يخفف بعض العقوبات مقابل تجميد فوري لبرامج التخصيب الحساسة ووقف التجارب الصاروخية بعيدة المدى.
لكن العقبة تظل في الشروط المتعلقة بالدور الإقليمي، حيث ترفض طهران بشدة ربط الملف النووي بملف النفوذ السياسي والعسكري في المنطقة.
إن فشل الوصول إلى تسوية في الشهور الأولى من ولاية ترامب قد يدفع المنطقة نحو مواجهة مفتوحة، أو على الأقل نحو حرب استنزاف اقتصادية ستؤدي حتمًا إلى تغيير جذري في بنية السلطة داخل إيران، سواء عبر إصلاحات قسرية أو اضطرابات اجتماعية غير مسبوقة.

