ذات صلة

جمع

فاتورة الدم والبؤس.. كيف حولت استراتيجية البرهان العسكرية حياة السودانيين إلى جحيم؟

دخل السودان نفقًا مظلمًا من الكوارث الإنسانية التي لم يسبق لها مثيل، حيث يواجه ملايين المدنيين في ولايات الخرطوم ودارفور والجزيرة حربًا مزدوجة: الأولى بالرصاص والقصف الجوي، والثانية بسلاح “التجويع الممنهج” الذي تتبعه قيادة الجيش تحت إمرة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

إن التقارير الدولية الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان تؤكد أن البرهان وفلول النظام البائد المتحالفين معه يستخدمون الغذاء والدواء كأدوات للضغط العسكري والسياسي، عبر عرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

هذا “التجويع القسري” لا يفرق بين طفل وامرأة ومسن، حيث تحولت أحياء الخرطوم القديمة وقرى ولاية الجزيرة المنكوبة إلى سجون مفتوحة يفتقر سكانها لأدنى مقومات الحياة، مما يعد جريمة حرب مكتملة الأركان وفقًا للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استخدام تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل القتال، وهو ما يضع البرهان في مواجهة مباشرة مع العدالة الدولية التي تلاحق مرتكبي جرائم الإبادة ببطء.

جحيم الخرطوم والقصف الجوي العشوائي

في قلب العاصمة السودانية الخرطوم، لم تتوقف طائرات البرهان ومسيراته “الإيرانية” عن استهداف المناطق السكنية المكتظة؛ مما أدى إلى تدمير مئات المنازل والمنشآت العامة فوق رؤوس ساكنيها.

إن سياسة القصف الجوي العشوائي التي ينتهجها الجيش بحجة استهداف تجمعات الخصوم، أثبتت فشلها العسكري وتحولت إلى أداة لترهيب المدنيين ودفعهم نحو النزوح القسري.

ففي مناطق مثل “أم بدة” و”حي النهضة” و”الخرطوم جنوب”، سُجلت مئات الحالات لمدنيين قتلوا داخل منازلهم نتيجة البراميل المتفجرة والقذائف الصاروخية التي لا تميز بين هدف عسكري ومدني.

هذه الجرائم لم تؤدِّ فقط إلى إزهاق الأرواح، بل تسببت في إخلاء العاصمة من سكانها وتحويلها إلى مدينة أشباح، حيث يعيش من تبقى من السكان في رعب دائم من “الموت القادم من السماء”، وسط تعمد واضح من قيادة البرهان لتعطيل عمل المشافي الميدانية والمطابخ الجماعية (التكايا) التي يعتمد عليها الفقراء للبقاء على قيد الحياة، في محاولة لكسر إرادة الحاضنة الاجتماعية للمناطق التي خرجت عن سيطرة القوات المسلحة.

مأساة دارفور وإعادة إنتاج التطهير العرقي

أما في إقليم دارفور، فقد اتخذت جرائم البرهان طابعًا أكثر دموية عبر إعادة إنتاج سيناريوهات التطهير العرقي والتهجير الجماعي التي شهدها الإقليم في بدايات الألفية.

لقد مهد التحالف بين البرهان وكتائب النظام البائد الطريق أمام المليشيات القبلية المسلحة لارتكاب مجازر بشعة في “الجنينة” و”نيالا” و”الفاشر”، حيث تم استهداف المدنيين على أساس عرقي تحت غطاء العمليات العسكرية للجيش.

إن انسحاب قوات الجيش من بعض المناطق وترك المدنيين العزل لمواجهة مصيرهم، أو قصف مراكز النازحين واللاجئين، يعكس تخلي البرهان عن مسؤوليته الدستورية في حماية المواطنين.

وإن ما يحدث في دارفور اليوم هو امتداد لسياسة “فرق تسد” التي انتهجها نظام البشير، والآن يعيد البرهان استخدامها للبقاء في السلطة؛ مما أدى إلى لجوء مئات الآلاف إلى دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان في ظروف مأساوية، هربًا من القتل الممنهج والحرق الكامل للقرى، في مشهد يعيد للأذهان أبشع فصول الإبادة الجماعية التي لم يبرأ منها الإقليم بعد.

تدمير سلة الغذاء في ولاية الجزيرة

لم تكن ولاية الجزيرة، التي تمثل سلة غذاء السودان، بعيدة عن نيران وجرائم البرهان، حيث تعرضت القرى والمشاريع الزراعية لعمليات تخريب ونهب واسعة أدت إلى توقف الإنتاج تمامًا.

إن دخول الحرب إلى الجزيرة وما تبعها من ردود فعل عسكرية عنيفة من جانب الجيش، تسبب في تشريد ملايين المزارعين والعمال، مما أطلق رصاصة الرحمة على الأمن الغذائي السوداني وإن جرائم البرهان في الجزيرة تمثلت في القصف الجوي الذي طال مخازن الغلال والمطاحن، بالإضافة إلى الحصار المضروب على الطرق الرئيسية الذي يمنع دخول المدخلات الزراعية ووصول المحاصيل إلى الأسواق.

هذا التدمير الممنهج للقطاع الزراعي في الجزيرة يهدف بالأساس إلى خلق حالة من الفوضى والمجاعة التي تجبر السكان على الولاء أو الموت جوعًا، وهو ما يفسر تقارير الأمم المتحدة التي تحذر من أن السودان بات يمتلك أكبر عدد من الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في العالم، بفضل سياسات “الأرض المحروقة” التي يتبناها البرهان لإطالة أمد الحرب.