ذات صلة

جمع

تحالف الأيديولوجيا والدم.. كيف يختطف الإخوان وإيران مستقبل السودان؟

لم تعد الحرب المستعرة في السودان مجرد نزاع داخلي...

خيوط الفوضى.. كيف تستخدم طهران التصعيد العسكري كدرع لحماية النظام الفاشي؟

دخلت المنطقة العربية والمحيط الإقليمي في مرحلة هي الأكثر...

خيوط الفوضى.. كيف تستخدم طهران التصعيد العسكري كدرع لحماية النظام الفاشي؟


دخلت المنطقة العربية والمحيط الإقليمي في مرحلة هي الأكثر تعقيدًا وخطورة منذ عقود طويلة، حيث تبرز إيران كلاعب محوري يتقن العبث بخيوط السياسة والأمن عبر استراتيجية تعتمد بشكل أساسي على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار.


ومع حلول عام 2026، لم تعد التوترات الإيرانية مجرد ملفات دبلوماسية حبيسة الغرف المغلقة أو جولات تفاوضية روتينية، بل تحولت إلى صراع إرادات دولي مفتوح يتأرجح بين محاولات يائسة لاحتواء الطموحات النووية المتصاعدة وبين ضرورة التصدي للأذرع الإقليمية التي باتت تهدد بشكل مباشر ممرات الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي.


ويجمع المحللون الاستراتيجيون على أن طهران لا تسعى لبناء سلام مستدام، بل تدير مشهد التوترات الحالية عبر حزمة من السياسات العدائية المعقدة التي تهدف في مقامها الأول إلى ضمان بقاء النظام الثيوقراطي وتوسيع هوامش المناورة أمام الضغوط الغربية المتصاعدة، مستخدمة في ذلك دماء الشعوب العربية في الدول التي تغلغلت فيها ميليشياتها.


استراتيجية المماطلة الممنهجة واستنزاف الوقت


تعتمد طهران في إدارتها للأزمات الدولية على ما يمكن تسميته بـ”استراتيجية التأخير المتعمد”، وهي تكتيك برعت فيه الدبلوماسية الإيرانية لعقود من الزمن لامتصاص الغضب الدولي دون تقديم تنازلات حقيقية.


ويهدف هذا التوجه الإيراني الممنهج إلى إطالة أمد المفاوضات حول الملفات العالقة، سواء كانت تتعلق بالبرنامج النووي أو ببرامج الصواريخ الباليستية، وذلك لتقليل حدة الضغوط العقابية الفورية وخلق حالة من التعود الدولي على “الأمر الواقع” الذي تفرضه على الأرض.


إن الهدف الحقيقي من هذه المماطلة ليس الوصول إلى حلول نهائية أو تسويات عادلة تضمن أمن الجيران، بل استنزاف إرادة الأطراف الدولية المعارضة بانتظار تغيرات جوهرية في الخارطة السياسية العالمية، مثل نتائج الانتخابات في الدول الكبرى أو تبدل الأولويات الأمنية للولايات المتحدة وحلفائها، مما يمنح طهران فرصة ذهبية ومساحة زمنية كافية لمواصلة برامجها التسليحية السرية والعلنية بعيدًا عن أعين الرقابة الدولية اللصيقة والفعالة.


إيران على حافة الانكسار وتصدع الجبهة الداخلية


لا يمكن قراءة التوقعات المستقبلية للسلوك الإيراني العدواني دون النظر بعمق إلى التحديات الداخلية المتفاقمة التي تعصف بهيكل النظام من الداخل وتهدد استمراريته. فالدولة الإيرانية تقف اليوم على “حافة” حرجة تتسم بضغوط اقتصادية خانقة وغير مسبوقة ناتجة عن سنوات من العقوبات وسوء الإدارة وتوجيه موارد الدولة لدعم الميليشيات الخارجية بدلًا من التنمية.


وتتزامن هذه الأزمات مع تزايد حاد في الفجوة بين الأجيال الشابة الطامحة للحرية وبين توجهات النخبة الحاكمة المتشددة التي ترفض أي إصلاح. والأخطر من ذلك هو ما يُعرف بـ”مرحلة الانتقال الهيكلي”، حيث تثار تساؤلات وجودية حول مستقبل القيادة العليا وكيفية إدارة عملية التوريث السياسي في ظل نظام معقد تتداخل فيه مصالح الحرس الثوري الاقتصادية والعسكرية مع المؤسسات الدينية التقليدية.


هذا الوضع المتأزم يجعل النظام أكثر ميلًا للتصعيد العسكري الخارجي واستعراض القوة كواجهة زائفة لتوحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن الأزمات الهيكلية والمعيشية التي تنهش في جسد الدولة الإيرانية وتنذر بانفجار شعبي وشيك.
خيبة الأمل في سياسات الاحتواء الغربية


إن المراجعة الدقيقة للأحداث تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن سياسات الاحتواء التقليدية التي اتبعتها القوى الكبرى تجاه طهران قد باءت بفشل ذريع، بل وأتت بمرور الوقت بنتائج عكسية. إن غياب الرؤية الموحدة والحازمة بين القوى الفاعلة في المجتمع الدولي سمح لطهران باللعب بذكاء على التناقضات الدولية وتحويل العقوبات إلى أداة لتعزيز اقتصاد الظل الذي يديره الحرس الثوري.


وهذا التخبط يضع المجتمع الدولي اليوم أمام “مسؤولية الوضوح” التاريخية التي لا تقبل التأجيل أو المداهنة. وتؤكد مصادر سياسية مطلعة أن المطلوب حاليًا ليس مجرد فرض حزم عقوبات إضافية يسهل الالتفاف عليها، بل صياغة استراتيجية شاملة وصارمة تربط بشكل عضوي بين الملف النووي وبين السلوك الإقليمي التخريبي لإيران والوضوح هنا يعني وضع خطوط حمراء عسكرية وأمنية غير قابلة للتفاوض، خاصة فيما يتعلق بتهديد حرية الملاحة في المضايق الحيوية وتصدير التكنولوجيا المسيّرة والصاروخية للجهات غير الرسمية، لأن الاستمرار في سياسة “أنصاف الحلول” والمهادنة لم يؤدِ تاريخيًا إلا إلى تقوية النفوذ الإيراني وزيادة الكلفة البشرية والمادية لأي مواجهة مستقبلية محتومة.


ضرورة الردع الشامل لاستعادة الأمن الإقليمي


تظل السياسة الإيرانية لغزًا جيوسياسيًا مغلفًا بالعداء، يتطلب تعاملًا دوليًا يتسم بالحذر الشديد والذكاء الاستراتيجي والقدرة على الردع الفوري.


إن التوترات القائمة في عام 2026 ليست مجرد خلافات حدودية بسيطة أو نزاعات سياسية عابرة يمكن حلها بابتسامة دبلوماسية، بل هي صراع وجودي على هوية المنطقة ومستقبل الأمن الجماعي واستقرار الاقتصاد العالمي.


إن التوقعات المستقبلية، رغم قتامتها الواضحة في ظل إصرار طهران على نهج الفوضى، تفتح نافذة ضيقة للفرص فقط إذا ما نجحت الدبلوماسية الدولية المدعومة بالقوة العسكرية في فرض معادلة “الردع الشامل”.