ذات صلة

جمع

خطر في غرف الإنعاش.. كيف أثرت هجرة الكوادر الشابة على سلامة المرضى في تونس؟

تواجه المنظومة الصحية في تونس تحديًا مصيريًا غير مسبوق،...

العراق في عنق الزجاجة.. هل ينجح “خيار التوافق” في إنقاذ رئاسة الحكومة؟

يدخل العراق مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد ضمن ماراثون تشكيل...

بين الردع والتفاوض.. لماذا تفضل واشنطن وطهران منطقة “اللا حسم”؟

مع تصاعد الحشود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، عاد...

صفقة دمشق وواشنطن.. هل كان تسليم قواعد الحسكة ثمنًا لاتفاق دمج “قسد” في الدولة السورية؟

شهدت محافظة الحسكة تطورات عسكرية متسارعة تعكس تبدلاً جذريًا...

خطر في غرف الإنعاش.. كيف أثرت هجرة الكوادر الشابة على سلامة المرضى في تونس؟

تواجه المنظومة الصحية في تونس تحديًا مصيريًا غير مسبوق، يتمثل في “النزيف الحاد” للكوادر شبه الطبية، وتحديدًا من فئة الشباب وحديثي التخرج الذين باتوا يتصدرون قوائم المهاجرين نحو الوجهات الأوروبية والخليجية.

إن هذا الهروب الجماعي للممرضين والفنيين السامين في مختلف الاختصاصات لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية أو اقتصادية عابرة، بل تحول إلى تهديد مباشر لسلامة المرضى داخل غرف الإنعاش وأقسام الجراحة المستعجلة.

ومع تزايد الطلب العالمي على اليد العاملة المؤهلة في قطاع الصحة، وجدت الكفاءات التونسية نفسها أمام عقود عمل مغرية توفر لها ما عجزت الدولة عن توفيره من ظروف عمل كريمة ورواتب تتماشى مع غلاء المعيشة، مما خلف فراغًا إداريًا وتقنيًا في المستشفيات العمومية والخاصة على حد سواء، وجعل من “الجيش الأبيض” التونسي قوة عاملة تخدم اقتصادات دول أخرى على حساب صحة المواطن المحلي.

تصدر الشباب لموجات الهجرة والأرقام الصادمة

تشير الإحصائيات المرصودة مؤخرًا إلى أن أكثر من 80% من المهاجرين في قطاع التمريض هم من الفئة العمرية التي تتراوح بين 22 و35 عامًا، وهو ما يعني أن تونس تفقد “زبدة” كفاءاتها الشابة التي تتمتع بالطاقة والقدرة على مواكبة التطورات التقنية الحديثة.

إن تصدر الشباب لهذه الموجات يعود بالأساس إلى انفتاح الأسواق العالمية، وخاصة الألمانية والفرنسية والكندية، التي بسطت إجراءات معادلة الشهادات اللغوية والتقنية لجذب الممرض التونسي المعروف بكفاءته العالية وتكوينه الأكاديمي المتين.

هذا التهافت الخارجي قابله في الداخل انسداد في آفاق الترقي المهني، وبيروقراطية خانقة في الانتدابات بالقطاع العام، مما جعل حلم الهجرة هو الخيار الأول لكل طالب يخطو خطواته الأولى في كليات علوم التمريض، ليتحول الاستثمار الوطني في تعليم هؤلاء الشباب إلى “هدية مجانية” للدول الغربية التي تجني ثمار تكوينهم الجاهز دون تحمل تكاليفه.

تداعيات نقص الكوادر على سلامة المرضى والخدمات

لقد وصل الوضع في غرف الإنعاش وأقسام الحالات الحرجة إلى مرحلة “الخطر الداهم”، حيث أصبح الممرض الواحد في العديد من المستشفيات التونسية مطالبًا بمراقبة عدد مضاعف من المرضى، وهو ما يتجاوز المعايير الدولية المعتمدة لسلامة الرعاية الصحية.

إن هذا الضغط المهني المسلط على الكوادر المتبقية يؤدي بالضرورة إلى حالة من “الاحتراق الوظيفي” وتراجع التركيز، مما يرفع من احتمالات وقوع الأخطاء الطبية القاتلة أو التأخر في التدخلات الإسعافية الطارئة.

سلامة المرضى لم تعد مضمونة في ظل غياب التوازن العددي بين الإطار شبه الطبي والمرضى، خاصة في الاختصاصات الدقيقة مثل التخدير، والإنعاش، والعمليات الجراحية المعقدة، حيث يتطلب العمل دقة متناهية وسرعة بديهة تتأثر سلبًا بالإرهاق الناتج عن نظام النوبات الطويلة (24 ساعة متواصلة أحياناً) لتعويض النقص الحاصل في الزملاء المهاجرين.

الأسباب العميقة وراء “النزيف الأبيض” في تونس

لا يمكن حصر أسباب الهجرة المكثفة في الجانب المادي فقط، رغم أهميته القصوى في ظل تدهور القدرة الشرائية للتونسيين، بل تمتد الجذور إلى “بيئة العمل” التي باتت طاردة بامتياز.

تعاني المستشفيات التونسية من نقص فادح في التجهيزات الطبية الأساسية، واعتداءات متكررة على الأطقم شبه الطبية من قبل أهالي المرضى، وغياب الحماية القانونية والاجتماعية الكافية.

الممرض الشاب اليوم لا يبحث عن “اليورو” أو “الدولار” فحسب، بل يبحث عن بيئة مهنية تحترم تخصصه وتوفر له سبل التطوير الذاتي والأمان الجسدي والنفسي.

إن شعور الكادر شبه الطبي بأنه “الحلقة الأضعف” في المنظومة الصحية، وتجاهل مطالب قطاع التمريض في الإصلاحات الهيكلية الكبرى، دفع بالكثيرين إلى اليأس من تغيير الوضع محليًا، واختيار الرحيل كحل جذري يحفظ كرامتهم المهنية ويوفر لمستقبلهم الاستقرار الذي يفتقدونه في بلدهم الأم.

كلفة الهجرة على الدولة والحلول الممكنة

تخسر الدولة التونسية سنويًا مبالغ طائلة تُقدر بمليارات المليمات جراء هجرة الكوادر شبه الطبية؛ فتكلفة تكوين ممرض واحد طوال سنوات دراسته الجامعية وتدريبه الميداني تذهب سدى عندما يغادر البلاد فور تخرجه.

إن هذه الخسارة الاقتصادية تتبعها خسارة اجتماعية تتمثل في انخفاض جودة الرعاية الصحية وارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص الذي يعاني هو الآخر من نقص الكفاءات.

ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يرى الخبراء ضرورة التحرك العاجل عبر مراجعة سلم الرواتب، وتحسين ظروف العمل بالمناطق الداخلية، وفتح باب الانتدابات القانونية لسد الشغورات، مع ضرورة إبرام اتفاقيات دولية تضمن “الهجرة الدائرية” التي تتيح للممرض العمل بالخارج لفترة ثم العودة بخبرات جديدة، بدلاً من الهجرة النهائية التي تفرغ البلاد من عقولها.
إن لم يتم تدارك الأمر بجدية، فإن غرف الإنعاش في تونس قد تصبح مجرد قاعات صامتة تفتقر للروح البشرية القادرة على إنقاذ الأرواح.