يدخل العراق مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد ضمن ماراثون تشكيل الحكومة الجديدة، حيث يبدو المشهد السياسي وكأنه عالق في “عنق الزجاجة” بعد مرور ثلاثة أشهر على الانتخابات التشريعية التي جرت في نوفمبر الماضي.
ومع تصاعد حدة الانقسام داخل البيت الشيعي، وتحديدًا ضمن قوى الإطار التنسيقي، يبرز “الخيار التوافقي” كطوق نجاة وحيد لمنع انزلاق البلاد نحو فوضى دستورية أو عقوبات اقتصادية دولية وشيكة.
إن الصراع المحتدم اليوم لا يدور فقط حول حصص المكونات، بل يتمحور بشكل أساسي حول شخصية رئيس الوزراء المقبل وقدرته على موازنة العلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران، في ظل رفض أميركي صريح لإعادة تدوير الوجوه التي ارتبطت بمراحل سابقة من الصراع الطائفي أو النفوذ الإقليمي المطلق، مما يضع القوى السياسية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تقديم “مرشح تسوية” يحظى بقبول وطني ودولي واسع.
تمسك المالكي والضغوط الأميركية المتصاعدة
تتصدر قضية إصرار رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، على الترشح لرئاسة الحكومة واجهة الأزمة الحالية، حيث أكد في تصريحاته الأخيرة (23 فبراير 2026)، أنه “لا نية لديه للانسحاب أبدًا”، معتبرًا أن مسألة اختيار رئيس الحكومة هي شأن سيادي داخلي لا يحق للقوى الخارجية التدخل فيه.
هذا الإصرار يقابله في الجانب الآخر ضغط أميركي غير مسبوق، حيث حمل المبعوث الأميركي توماس باراك خلال زيارته الأخيرة لبغداد رسالة واضحة مفادها أن واشنطن قد تفرض عقوبات على أفراد ومؤسسات عراقية في حال المضي قدمًا بترشيح المالكي، مع تلويح بقطع المساعدات المالية.
وترى مصادر، أن هذا “الفيتو” الأميركي يضع الإطار التنسيقي في مأزق، إذ يتوجب عليه الاختيار بين الحفاظ على تماسك تحالفه الداخلي أو المخاطرة بعزلة دولية قد تؤدي إلى انهيار العملة المحلية المتأثرة أساسًا بالقيود المفروضة على تدفقات الدولار من الفيدرالي الأميركي.
سيناريوهات مرشح التسوية والاتفاقات الرباعية
خلف الكواليس، بدأت ملامح “انفراجة” تلوح في الأفق من خلال ما يُعرف بـ “الاتفاق الرباعي” داخل الإطار التنسيقي، والذي يضم قادة بارزين مثل هادي العامري وعمار الحكيم وقيس الخزعلي، بالإضافة إلى رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني.
وبحسب تسريبات موثوقة، فإن هذا المحور يميل نحو سحب ترشيح المالكي لتجنب الصدام مع المجتمع الدولي، والبحث عن شخصية توافقية يمكن تسويقها كرديًا وسنيًا.
وتبرز في هذا السياق أسماء مثل: محمد شياع السوداني كخيار للاستمرارية نظرًا لنجاحه في إدارة ملفات خدمية حساسة، أو حيدر العبادي كمرشح تسوية يمتلك خبرة سابقة في التعامل مع الملفات الدولية المعقدة.
هذا الحراك يهدف بالأساس إلى فك “عقدة رئاسة الجمهورية” المعطلة بسبب الخلاف الكردي الكردي، حيث يسعى الإطار لمقايضة دعم مرشح كردي محدد مقابل تخلي الأكراد عن دعم أي مرشح شيعي يثير حفيظة الشركاء الإقليميين أو الدوليين.
البيت الكردي وتأثير الأزمة على إقليم كردستان
لا تقتصر أزمة الانسداد السياسي على بغداد فحسب، بل تمتد آثارها لتلقي بظلالها على إقليم كردستان، حيث يدرك الحزبان الرئيسيان (الديمقراطي والاتحاد الوطني) أن استمرار غياب الحكومة الاتحادية يعني تعطيلاً مستمرًا لمستحقات الإقليم المالية وملف الموازنة وتصدير النفط.
وفي تحرك لافت، بدأ قادة الإقليم مشاورات مكثفة مع القوى الليبرالية والمدنية في بغداد لدعم خيار “حكومة كفاءات” بعيدة عن الاستقطاب الطائفي.
ويرى الحزب الديمقراطي الكردستاني أن الإصرار على مرشح مرفوض دوليًا سيؤدي إلى تجميد العلاقة بين أربيل وبغداد، مما قد يدفع نحو تفعيل سيناريوهات بديلة لإدارة الموارد بعيدًا عن المركز المأزوم.
إن واقعية السياسة الكردية بدأت تتقدم على لغة كسر الإرادات، بانتظار ما ستسفر عنه اجتماعات “اللحظة الأخيرة” للإطار التنسيقي قبل انقضاء المهلة التي حددتها واشنطن لتشكيل حكومة “متوازنة”.
فالفشل في التوافق على رئيس حكومة يحظى بحد أدنى من القبول الدولي يعني مواجهة سيناريوهات مريرة، تبدأ بالعقوبات الاقتصادية وقد تنتهي بموجات احتجاج شعبية جديدة نتيجة تدهور الوضع المعيشي.
إن العراق اليوم بحاجة إلى “نظرية حكم” توازن بين السيادة الوطنية والواقعية الدولية، وهي معادلة صعبة يرفض المالكي تقديم تنازلات فيها حتى الآن، بينما يخشى الآخرون من ثمن هذا التمسك، و إن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد هوية العراق القادم؛ فإما حكومة توافقية تعبر بالبلاد نحو الاستقرار، أو تمسك بالمواقف يقود نحو مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي قد لا يحتملها الاقتصاد العراقي الهش.

