شهد مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت حركة دبلوماسية استثنائية تمثلت في إجلاء السفارة الأمريكية للعشرات من موظفيها “غير الأساسيين” وعائلاتهم، في خطوة وصفتها مصادر أمنية وإعلامية لبنانية بأنها “إجراء احترازي” رفيع المستوى.
وتأتي هذه الخطوة وسط مشهد إقليمي شديد الدقة والحساسية، حيث تتصاعد نذر المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بعد انهيار المفاوضات النووية الأخيرة وحشد القوات العسكرية في المنطقة.
إن مغادرة هذا العدد من الموظفين في وقت واحد تعكس قراءة أمريكية لخطورة “التطورات الإقليمية المرتقبة”، حيث تُشير التوقعات إلى احتمال صدور بيان رسمي من الخارجية الأمريكية يحدد طبيعة المخاطر القائمة، مما وضع لبنان رسميًا على صفيح ساخن بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة من احتمالات عسكرية أو دبلوماسية قد تغير وجه المنطقة.
دلالات الإجلاء الأمريكي.. هل دقت ساعة الصفر في المنطقة؟
يمثل قرار واشنطن بسحب جزء كبير من طاقمها الدبلوماسي في بيروت “إشارة حمراء” لمراكز صنع القرار في لبنان والمنطقة، إذ غالباً ما تسبق هذه التحركات عمليات عسكرية واسعة أو ردود أفعال إقليمية غير محسوبة.
وتزامن إجلاء موظفي السفارة في فبراير 2026 مع سلسلة من الإجراءات المماثلة التي اتخذتها الولايات المتحدة في عواصم أخرى بالشرق الأوسط، مدفوعة بتصاعد حدة التوتر مع طهران ورفع حالة الجهوزية القتالية للقواعد الأمريكية في المنطقة.
إن استخدام مطار بيروت كمنصة للإجلاء السريع يبعث برسالة مفادها أن واشنطن ترغب في تقليص “بنك الأهداف” البشرية المتاحة لأي قوى إقليمية قد تحاول استهداف المصالح الأمريكية في حال اندلاع صدام مباشر، مما يعزز فرضية أن المنطقة باتت أقرب من أي وقت مضى إلى مواجهة شاملة تتجاوز حدود قواعد الاشتباك التقليدية.
وعلى الصعيد الميداني، يرى الخبراء العسكريون أن إخلاء الموظفين غير الأساسيين هو بروتوكول “ما قبل الحرب” المعتاد في السياسة الأمريكية، خاصة مع تزايد التقارير حول استعدادات واشنطن لضربات محتملة ضد منشآت حيوية.
إن لبنان، الذي يعاني أصلاً من أزمات سياسية واقتصادية طاحنة، يجد نفسه اليوم أمام مأزق جديد؛ حيث يثير هذا الإجلاء مخاوف الرعايا الأجانب والمستثمرين ويؤدي إلى حالة من الشلل في الدوائر الدبلوماسية.
ومع غياب التوضيحات الرسمية الكاملة من جانب السفارة حتى هذه اللحظة، يزداد الغموض حول ما إذا كانت هذه الخطوة مجرد “مناورة لرفع الضغط” على طهران وحلفائها في بيروت، أم أنها المقدمة الفعلية لعمل عسكري وشيك قد ينطلق من المتوسط أو الخليج ويطال الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى الجبهات الأكثر حساسية في الصراع الإقليمي المشتعل.
لبنان وترقب “التطورات المرتقبة”.. تداعيات الخطوة على السيادة والاستقرار
تترقب الأوساط الرسمية في بيروت ببالغ القلق “البيان الرسمي” المتوقع صدوره عن السفارة الأمريكية، والذي قد يتضمن توجيهات لمواطنيها بمغادرة البلاد فورًا.
إن هذه الأجواء تعيد للأذهان ذكريات الحروب السابقة، حيث كانت التحركات الدبلوماسية هي الترمومتر الحقيقي لمستوى الخطر الأمني.
وفي ظل هذا التوتر، بدأت قوى سياسية لبنانية اتصالات مكثفة لمحاولة تحييد لبنان عن الصراع الإقليمي، إلا أن مغادرة الدبلوماسيين الأمريكيين تعطي انطباعًا بأن القرار قد اتخذ في عواصم كبرى وأن لبنان لم يعد يمتلك رفاهية البقاء في “منطقة الرمادي”.
إن هذا الإجلاء لا يقتصر تأثيره على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد ليشمل الثقة الدولية في استقرار لبنان؛ مما قد يؤدي إلى مزيد من العزلة الدبلوماسية في حال قررت دول غربية أخرى اتباع النهج الأمريكي وسحب طواقمها هي الأخرى.
يبقى التساؤل الجوهري في أروقة قصر بعبدا والسراي الحكومي: هل لبنان قادر على تحمل تداعيات “إشارة الحرب” التي أرسلتها واشنطن عبر مطار الحريري؟ إن الوقائع تشير إلى أن المنطقة دخلت نفقًا مظلمًا من التصعيد، وأن “الإجراء الاحترازي” الأمريكي ما هو إلا رأس جبل الجليد في استراتيجية مواجهة شاملة مع طهران.
وبانتظار ما ستسفر عنه التحركات العسكرية الأمريكية في مياه المتوسط، يبقى الشعب اللبناني أسير الترقب والخوف من تحول بلاده مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الكبرى، بينما تظل طائرات الإجلاء التي غادرت بيروت اليوم الشاهد الأقوى على أن الدبلوماسية قد أفسحت المجال، ولو مؤقتًا، للغة القوة والتحوط العسكري في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم.

