ذات صلة

جمع

الردع الجنائي.. كيف فقد الإخوان القدرة على المناورة داخل المؤسسات الأمريكية؟

دخلت المواجهة بين السلطات الأمريكية وجماعة الإخوان مرحلة غير...

هرمز بين التصعيد والانكفاء.. كيف فقدت طهران ورقة الضغط الأقوى؟

في قلب التوترات الإقليمية المتصاعدة، برز مضيق هرمز بوصفه...

حرب الإحداثيات.. هل تنجح طائرات “إف-16” في وقف نزيف القنابل الموجهة الروسية؟

دخلت الحرب الأوكرانية مرحلة حاسمة من الصراع التقني الذي...

عنق الزجاجة.. لماذا يصر صندوق النقد على إصلاحات شاملة في لبنان قبل “ضخ السيولة”؟

يمر الاقتصاد اللبناني بمرحلة وصفتها التقارير الدولية بأنها “عنق الزجاجة” الأكثر تعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث، حيث يقف لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما المضي قدمًا في تنفيذ حزمة إصلاحات هيكلية شاملة يطالب بها صندوق النقد الدولي، أو الاستمرار في حالة النزيف المالي الذي بدد مدخرات المودعين وأطاح بالعملة الوطنية.

إن إصرار الصندوق على مبدأ “الإصلاح قبل التمويل” لا يأتي من باب التعجيز السياسي، بل ينطلق من قناعة اقتصادية راسخة بأن ضخ أي سيولة دولية في ظل المنظومة المالية الحالية سيكون بمثابة “سكب الماء في سلة مثقوبة”.

وتأتي زيارة بعثة الصندوق لبيروت في فبراير 2026 لتؤكد أن المجتمع الدولي لن يقبل بأنصاف الحلول، وأن استعادة النمو واستقطاب الاستثمارات الخارجية يتطلبان جراحة اقتصادية عميقة تبدأ من القوانين التشريعية وتنتهي بتطهير القطاع المصرفي من الفجوات المالية التي تراكمت عبر عقود من السياسات النقدية الخاطئة.

معضلة إعادة هيكلة المصارف وحماية المودعين

تعتبر إعادة هيكلة القطاع المصرفي الحجر الزاوية في كافة مطالبات صندوق النقد الدولي، وهي الملف الأكثر حساسية الذي يواجه السلطات اللبنانية نظرًا لتداخله مع مصالح النخب السياسية والمالية.

يصر الصندوق على ضرورة إقرار قانون يحدد بوضوح كيفية توزيع الخسائر المالية الضخمة، مع الالتزام بمبدأ “تراتبية الحقوق” الذي يقضي بتحميل المساهمين والدائنين الثانويين العبء الأول قبل المساس بحقوق صغار المودعين.

إن الهدف من هذه الخطوة هو خلق قطاع مصرفي جديد، سليم وقادر على تأدية دوره الطبيعي في تمويل القطاع الخاص وتحفيز النمو، بدلاً من بقاء المصارف الحالية في حالة “زومبي” مالية لا تقدم قروضًا ولا تضمن سحوبات.

ويرى خبراء الصندوق، أن ضخ السيولة دون معالجة هذا الخلل البنيوي سيعني ضياع المساعدات في سد عجز المصارف بدلاً من توجيهها نحو المشروعات التنموية والاجتماعية التي يحتاجها المواطن اللبناني بشكل عاجل.

الإصلاحات المالية والضريبية كضمانة للاستدامة

إلى جانب الملف المصرفي، يضع صندوق النقد الدولي “الإصلاحات المالية والضريبية” كشرط مسبق لأي اتفاق نهائي، مع التركيز بشكل خاص على ضرورة إقرار قانون حديث لضريبة الدخل يحد من التهرب الضريبي الواسع.

ويحذر الصندوق من مخاطر “اقتصاد الكاش” الذي بات ينمو بشكل مخيف في لبنان، مما يسهل عمليات تبييض الأموال ويحرم خزينة الدولة من إيرادات حيوية قادرة على تمويل الإنفاق العام والخدمات الأساسية كالكهرباء والتعليم.

إن المطالبة بإطار مالي متوسط الأجل تهدف إلى ضمان استدامة الدين العام ومنع الدولة من العودة إلى سياسة الاستدانة المفرطة التي أدت إلى الانهيار في عام 2019.

الثقة الدولية ومخاطر القائمة الرمادية

يرتبط إصرار الصندوق على الإصلاحات الشاملة برغبة المجتمع الدولي في رؤية لبنان يخرج من “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي الدولية، حيث أن بقاء لبنان في هذه المنطقة الضبابية يمنع المصارف العالمية من التعامل مع نظيرتها اللبنانية ويحد من تدفق التحويلات المالية الخارجية.

إن صندوق النقد الدولي يعمل كـ “ختم جودة” أو شهادة ثقة؛ فبدون الاتفاق معه، لن تجرؤ الدول المانحة أو المؤسسات المالية الدولية على تقديم أي دعم مالي أو قروض ميسرة للبنان.

النمو المستدام مقابل الحلول الترقيعية

يرفض صندوق النقد الدولي السياسات القائمة على “الحلول الترقيعية” أو الرهان على المواسم السياحية العابرة كبديل للإصلاح الحقيقي، مؤكدًا أن النمو المستدام لا يمكن أن يتحقق دون بيئة قانونية واستثمارية مستقرة.

الإصلاحات الشاملة التي يطالب بها الصندوق تشمل أيضًا توحيد أسعار الصرف بشكل نهائي، وتعزيز استقلالية القضاء المالي، وتفعيل أجهزة الرقابة لمحاربة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة.

إن ضخ السيولة في بيئة تفتقر إلى هذه المقومات سيعطي نتائج مؤقتة وسرعان ما ستعود الأزمة بشكل أعنف، وهو ما يحاول الصندوق تجنبه عبر التمسك بالاتفاق الإطاري الذي وُقع سابقًا.

بالنسبة للصندوق، فإن لبنان يمتلك إمكانات بشرية واقتصادية هائلة، لكنها معطلة بفعل غياب الرؤية الإصلاحية، والسيولة المطلوبة يجب أن تكون “وقودًا” لمحرك نمو جديد وليس مجرد “مسكن” لآلام أزمة بنيوية لم تُعالج جذورها بعد.