يستمر قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، في إبداء مواقف متشددة توصف بـ”التعنت المستمر” أمام كافة النوافذ الدبلوماسية الرامية لوقف نزيف الدم المتواصل في بلاده، ضاربًا عرض الحائط حتى بالدعوات المنادية لهدنة إنسانية خلال شهر رمضان المبارك.
إن هذه المقاربة التي ترهن التهدئة بشروط ميدانية مسبقة تعكس تمسكًا بخيار الحسم العسكري الذي ثبت تعذره على مدار أشهر طويلة، وتجعل من المدنيين العُزّل رهائن لمعارك سياسية وعسكرية، بدلاً من جعل الهدنة مدخلاً لحماية الأرواح وتأمين وصول المساعدات الضرورية.
رؤية واشنطن وتحذيرات من عودة الإخوان
على الجانب الآخر من المشهد، برزت رؤية أمريكية حازمة خلال جلسات مجلس الأمن الدولي، حيث طرحت واشنطن مساراً لإنهاء النزاع يرتكز على المحاسبة ووقف الانتهاكات، محذرة من مغبة تعطيل جهود السلام لتحقيق مكاسب فئوية.
وقد وصف كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، الوضع في السودان بأنه “أفظع كارثة إنسانية في العالم حاليًا”، مشددًا على أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع أي تحركات تقوم بها شبكات الإخوان المسلمين لإعادة بسط نفوذها واستعادة السلطة من خلف الكواليس.
هذه التحذيرات الأمريكية تسلط الضوء على الأجندات الخفية التي قد تكون المحرك الفعلي لرفض الحلول السلمية، حيث تؤكد واشنطن أن مستقبل السودان يجب أن يرسمه المدنيون عبر عملية سياسية شاملة تقود إلى انتخابات ديمقراطية، بعيدًا عن هيمنة العسكر أو الجماعات المتطرفة التي تحاول استغلال حالة الفوضى الراهنة.
سياسة “شراء الوقت” وصرخة القوى المدنية
من جهتهم، يرى قادة القوى المدنية في السودان أن سياسة “شراء الوقت” التي تنتهجها بعض الأطراف العسكرية لم تعد مقبولة ويجب مواجهتها بعواقب وخيمة من قبل المجتمع الدولي.
وقد اعتبر خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف “صمود”، أن الإجماع الدولي في مجلس الأمن على عدم وجود حل عسكري للصراع يجب أن يتحول من أقوال إلى أفعال ملموسة تحاسب المعرقلين.
إن استمرار اشتراط وقف القتال بتحقيق أهداف عسكرية مسبقة يقوض المساعي الرامية لفرض هدنة إنسانية عاجلة، ويؤكد أن هناك أطرافًا تستفيد ماديًا وسياسيًا من استمرار الحرب رغم انهيار الخدمات الأساسية وتشريد نحو 14 مليون شخص.
إن القوى المدنية تشدد على أن السودان يمتلك فرصة حقيقية للسلام إذا ما توفرت وساطة عادلة تسمي الأشياء بمسمياتها وتضع حدًا لاستخدام معاناة الشعب السوداني كأداة في التفاوض العسكري.
السودان بين مطرقة الحرب وسندان الأجندات
في نهاية المطاف، يبقى المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر في هذه الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، مخلفة عشرات الآلاف من الضحايا وأسوأ أزمة نزوح عالمية.

