تبخرت آمال السودانيين في بناء دولة مدنية مستقرة تحت وطأة الصراع العسكري المرير الذي يصر الفريق أول عبد الفتاح البرهان على إطالة أمده.
وتتواتر التحذيرات الدولية من منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي حول انزلاق البلاد نحو حالة من “اللانظام” الشامل، حيث تسببت الأطماع في التمسك بالسلطة في تدمير البنية التحتية وانهيار المنظومة الاقتصادية.
إن الجرائم الموثقة ضد المدنيين، من قصف عشوائي للمناطق السكنية وحصار للمدن ومنع لوصول المساعدات الإنسانية، وضعت القيادة العسكرية في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، الذي بات يرى في تعنت البرهان العائق الأول أمام أي تسوية سياسية حقيقية تنهي شلال الدماء المستمر منذ أبريل 2023 وتنقذ ما تبقى من وحدة السودان ونسيجه الاجتماعي الممزق.
جرائم الحرب والانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين
تشير التقارير الحقوقية الصادرة في فبراير 2026، إلى تصاعد مروع في حجم الانتهاكات التي ترتكبها الأطراف المتصارعة، مع تركيز خاص على مسؤولية القيادة العسكرية في بورتسودان عن توفير الغطاء لكتائب مؤدلجة تنفذ عمليات انتقامية ضد المدنيين.
إن التحذيرات الدولية لم تعد تقتصر على القلق، بل انتقلت إلى مرحلة التوثيق الجنائي لجرائم تشمل القتل خارج نطاق القانون والاعتقالات التعسفية والتعذيب.
السودانيون الذين خرجوا في ديسمبر 2018 للمطالبة بالحرية والسلام والعدالة، يجدون أنفسهم اليوم ضحايا لآلة عسكرية لا تفرق بين مقاتل ومدني، حيث تحولت المدن السودانية إلى ساحات لتصفيات الحسابات السياسية، مما أدى إلى هجرة جماعية للعقول والكفاءات وفقدان جيل كامل لحقه في التعليم والأمان، وسط صمت مريب من الجهات التي كانت تدعي حماية الثورة ومكتسباتها.
تبدد الآمال الديمقراطية وعودة “الدولة العميقة”
لقد تبددت آمال السودانيين في التحول الديمقراطي تمامًا في عام 2026، بعدما اتضح أن الرهان على الشراكة مع المكون العسكري كان وهمًا مكلفًا.
ويرى المحللون، أن أطماع البرهان في البقاء على رأس السلطة دفعته للتحالف مع عناصر النظام البائد وتيارات الإخوان المسلمين لضمان حاضنة سياسية تحميه من الملاحقة الدولية.
هذا التحالف المشبوه أدى إلى عودة “الدولة العميقة” بأسوأ صورها، حيث استُبدلت الكفاءات الوطنية بعناصر موالية أيديولوجيًا، مما تسبب في شلل إداري تام وفشل في إدارة الأزمات المعيشية المتفاقمة.
إن إصرار البرهان على رفض المبادرات الإقليمية، مثل مبادرة “الإيغاد” ومسار “جنيف”، يعكس رغبة واضحة في فرض واقع “الأمر الواقع” العسكري، ضاربًا عرض الحائط بتطلعات الملايين الذين يحلمون بدولة يحكمها القانون لا البندقية.
المجاعة كلاح ممارس والانهيار الإنساني الشامل
أخطر التحذيرات الدولية في 2026 هي تلك المتعلقة بالمجاعة الوشيكة التي تهدد أكثر من 25 مليون سوداني نتيجة استخدام الغذاء كلاح في الحرب. فالإجراءات البيروقراطية والقيود العسكرية التي تفرضها سلطات بورتسودان على دخول المساعدات عبر الحدود والمطارات أدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق.
إن السودانيين الذين يواجهون الموت جوعًا في الخرطوم ودارفور وكردفان ينظرون إلى أطماع السلطة كسبب رئيسي لشقائهم، حيث تذهب موارد الدولة الشحيحة لتمويل المجهود الحربي وشراء الولاءات بدلاً من توفير الخبز والدواء.
هذا الانهيار الإنساني لم يعد مجرد أزمة داخلية، بل أصبح تهديدًا للأمن الإقليمي، حيث تتدفق موجات اللاجئين نحو دول الجوار المنهكة أصلاً، مما يضع البرهان وجنرالاته في قفص الاتهام التاريخي بتهمة تدمير مستقبل أمة بأكملها من أجل بريق السلطة الزائل.

