تعد قضية الوقود في اليمن واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وخطورة، حيث لم يعد النفط مجرد مادة حيوية لتسيير حياة المواطنين، بل تحول في ظل سيطرة ميليشيا الحوثي إلى أداة سياسية وعسكرية واقتصادية فتاكة.
في هذه اللحظة، تنشط السوق السوداء التابعة للقيادات الحوثية بأسعار تصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف السعر الرسمي، حيث يتم بيع الوقود في الشوارع والأحياء السكنية تحت إشراف أمني مباشر من الميليشيا.
إن هذا الاحتكار لا يهدف فقط إلى جني الأرباح السريعة، بل يهدف أيضًا إلى إحكام القبضة على القطاع الخاص، حيث تم إقصاء التجار التقليديين واستبدالهم بشركات نفطية وهمية أنشأتها الميليشيا لتكون واجهة لعمليات استيراد النفط المهرب، خاصة القادم من إيران، والذي يتم تفريغه في موانئ الحديدة تحت غطاء مساعدات أو شحنات تجارية عادية، ليتحول لاحقًا إلى وقود يحرك آليات الحرب الحوثية ويغذي خزائنها المالية.
حيث يتم تهريب النفط الإيراني عبر ناقلات تقوم بإطفاء أجهزة التتبع في عرض البحر، ليتم نقله إلى سفن أصغر تدخل الموانئ اليمنية بأسماء شركات محلية تابعة لقيادات حوثية رفيعة.
بمجرد بيع هذا النفط في السوق السوداء المحلية، يتم تحويل العوائد الضخمة إلى عملات صعبة، ومن ثم ضخها في شبكة معقدة من محلات الصرافة والشركات العقارية والمشاريع التجارية التي ظهرت فجأة في صنعاء، وهو ما يمثل عملية غسيل أموال واسعة النطاق تهدف إلى إخفاء مصدر هذه الأموال وتمويل الأنشطة التخريبية في الداخل والخارج، مما يؤدي بالضرورة إلى استنزاف العملة الصعبة وانهيار القيمة الشرائية للريال اليمني.
تدمير القطاع الخاص وتأسيس اقتصاد موازٍ
لقد أدت سيطرة الحوثيين على قطاع النفط إلى تدمير ممنهج للقطاع الخاص اليمني الذي كان يعمل في هذا المجال لعقود، حيث فرضت الميليشيا جبايات وإتاوات باهظة على التجار، وأجبرت الكثير منهم على التوقف لصالح “شركات الظل” التابعة لها.
كما أن الميليشيا الحوثية تستثمر في هذه المعاناة عبر لوم “التحالف” أو “الحصار” لتبرير غياب المشتقات، بينما تكتظ مخازنها بالوقود المهرب المخصص للبيع في السوق السوداء أو للاستخدام العسكري.
إن الموارد الضخمة التي يتم تحصيلها من جيوب اليمنيين الفقراء تُنفق ببذخ على المهرجانات الطائفية والحشود العسكرية وتطوير الصواريخ والمسيرات بإشراف خبراء من الحرس الثوري الإيراني، مما يجعل المواطن اليمني هو الممول الأول لقاتله دون إرادته.
إن إنهاء هذه الأزمة يتطلب رقابة دولية صارمة على سلاسل توريد النفط ومنع التدخلات الإيرانية التي تغذي هذا الاقتصاد المشبوه، بالإضافة إلى تفعيل دور البنك المركزي اليمني في الرقابة على التحويلات المالية ومنع عمليات غسيل الأموال التي تتم تحت غطاء تجارة الوقود.
بدون تجفيف منابع تمويل الميليشيا الناتجة عن السوق السوداء، ستبقى أي جهود للسلام هشة وغير قابلة للاستدامة، لأن قادة الحرب الحوثيين لن يتخلوا بسهولة عن مورد مالي يدر عليهم مليارات الدولارات سنويًا، حتى وإن كان الثمن هو دمار اليمن وتجويع الملايين من أبنائه الذين ينتظرون بصيص أمل لإنهاء هذا الكابوس الاقتصادي والإنساني.

