في ظل التصعيد العسكري المستمر الذي تشهده الجبهة الجنوبية اللبنانية، لم تكتفِ إسرائيل باستخدام ترسانتها العسكرية التقليدية من غارات جوية وقصف مدفعي، بل أعادت إحياء وتطوير سلاح قديم بأساليب حديثة، وهو “الحرب النفسية”.
تتبنى إسرائيل حاليًا ما يعرف باستراتيجية “رسائل النار والورق”، وهي استراتيجية تهدف إلى دمج الضغط العسكري المباشر بالضغط المعنوي المتواصل على سكان القرى الحدودية.
وتتمثل هذه الاستراتيجية في تكثيف الغارات الجوية على الأهداف الحيوية، وبالتزامن معها إلقاء ملايين المنشورات الورقية التي تحمل تحذيرات شديدة اللهجة.
هذه المنشورات لا تهدف فقط إلى التحذير من القصف، بل تسعى بوضوح إلى خلق حالة من الرعب الجماعي ودفع السكان نحو النزوح القسري، مما يفرغ مناطق الحافة الأمامية من سكانها ويحولها إلى ساحة قتال خالية من “البيئة الحاضنة”، وهو تكتيك يهدف إلى عزل مقاتلي حزب الله وتجريدهم من غطائهم الشعبي واللوجستي في القرى الجنوبية.
سلاح المنشورات.. تفتيت الحاضنة الشعبية وتأجيج الصراعات الداخلية
تحمل المنشورات الإسرائيلية التي تُلقى فوق قرى مثل كفركلا، والعديسة، وعيتا الشعب، مضامين مدروسة بعناية من قبل وحدات العمليات النفسية في الجيش الإسرائيلي.
هذه الرسائل تعتمد على لغة تخاطب العاطفة والخوف، حيث تحاول تحميل حزب الله المسؤولية الكاملة عن الدمار والتهجير الذي يلحق بالقرى، ومطالبة السكان بـ “الانتفاض” لحماية عائلاتهم. الهدف الاستراتيجي هنا هو إحداث شرخ بين المقاومة وبيئتها الاجتماعية، وتصوير الوجود العسكري للحزب كعبء أمني يهدد حياة المدنيين.
إن إسرائيل تراهن من خلال “سلاح الورق” على تحويل الضغط الشعبي من اتجاه العدو الخارجي إلى اتجاه القيادة المحلية، وهو ما تعتبره تل أبيب وسيلة فعالة لتقويض “عقيدة الصمود” التي يرتكز عليها الحزب؛ مما يجعل النزوح ليس مجرد هروب من الموت، بل فعل احتجاجي صامت تراهن عليه إسرائيل لفرض واقع ميداني جديد يسهل عملياتها اللاحقة.
التهجير الممنهج.. تحويل القرى الحدودية إلى “مناطق عازلة” بالنار
تدرك الدوائر الأمنية الإسرائيلية في عام 2026 أن السيطرة على الأرض تتطلب أولاً السيطرة على الوعي وإفراغ الجغرافيا من العنصر البشري المعادي، لذا، فإن الغارات المكثفة التي تستهدف المنازل والمرافق الحيوية ليست عشوائية، بل هي “قذائف تكميلية” للرسائل الورقية وعندما تقصف إسرائيل منزلاً وتلقي بجواره منشورًا يقول: “نحن حذرناكم”، فإنها تمارس عملية تهجير ممنهج تُلبسها ثوب “الحرص على حياة المدنيين”.
هذا التكتيك يهدف بالأساس إلى إنشاء “منطقة عازلة غير مأهولة” بعمق يصل إلى عدة كيلومترات، مما يمنع حزب الله من استخدام المنازل والمباني كقواعد لرصد التحركات الإسرائيلية أو منصات لإطلاق الصواريخ المضادة للدروع.
وإن “الحرب النفسية” هنا هي الأداة التي تبرر لإسرائيل أمام المجتمع الدولي استخدام القوة المفرطة، بذريعة أنها منحت المدنيين وقتًا كافيًا للمغادرة، بينما الحقيقة هي دفعهم قسراً نحو المجهول لضمان أمن المستوطنات الشمالية.
مستقبل الجنوب في ظل “الحرب النفسية” وغياب الحلول السياسية
يبقى السؤال المفتوح في عام 2026 حول مدى نجاح إسرائيل في تحقيق أهدافها عبر هذا المزيج من النار والورق. إن الاستمرار في سياسة التهجير النفسي والعسكري قد يؤدي إلى كارثة إنسانية تزيد من تعقيد المشهد اللبناني الداخلي، ولكنه في المقابل قد يؤسس لمرحلة من “الانفجار الشعبي” غير المتوقع في وجه الجميع.
إن المجتمع الدولي يراقب بصمت استخدام هذه الأسلحة النفسية التي تستهدف المدنيين بشكل مباشر، وهو ما يطرح تساؤلات قانونية حول “شرعية التحذير” الذي يتبعه تهجير قسري.
في نهاية المطاف، تظل غابات الجنوب ووديانها هي الحكم الفيصل، فبينما تسقط المنشورات من السماء لتزرع الرعب، تنمو جذور الصمود في الأرض لتواجه الغارات، ليبقى جنوب لبنان ساحة مفتوحة لأخطر أنواع الحروب الحديثة، حيث الكلمة “المنشور” تقتل أحيانًا تمامًا كما تقتل القذيفة.

