تستمر فصول المأساة الإنسانية في قطاع غزة خلال عام 2026 في التصاعد لترسم واحدة من أبشع خرائط الدمار في التاريخ الحديث، حيث لم تعد القذائف تستهدف المواقع العسكرية أو الثكنات فحسب، بل امتدت لتطال النسيج العمراني المتبقي الذي يضم في جنباته مئات الآلاف من النازحين.
وقالت مصادر: إن التحول الدرامي في سير العمليات العسكرية أدى إلى تحويل مراكز الإيواء، التي كان يُفترض أنها ملاذات آمنة تحت حماية المنظمات الدولية، إلى مقابر جماعية تضم أجساد الأبرياء تحت أطنان من الركام والأنقاض.
هذا الواقع المرير يفرض تساؤلات قانونية وإنسانية حول جدوى القوانين الدولية التي تقف عاجزة أمام مشهد الطائرات والقذائف وهي تسحق المدارس والمستشفيات، محولةً حياة الغزيين إلى رحلة موت متجددة تبدأ من النزوح وتنتهي بالدفن تحت حطام ما تبقى من جدران لم تعد تقي حر الصيف ولا برد الشتاء.
استراتيجية القذائف المدمرة
كشفت التقارير الميدانية والتحليلات العسكرية لخرائط الدمار في غزة عن استخدام مكثف لنوعية خاصة من القذائف ذات القدرة التدميرية الهائلة والمصممة لاختراق التحصينات وهدم المباني بشكل عمودي؛ مما يؤدي إلى انهيار الطبقات السكنية فوق بعضها البعض في ثوانٍ معدودة.
هذه “الهندسة التدميرية” جعلت من المدارس التابعة للأونروا ومراكز الإيواء المؤقتة أهدافًا سهلة، حيث تكتظ هذه المباني بآلاف النازحين في الغرفة الواحدة، مما يضاعف من حصيلة الشهداء والمصابين في الضربة الواحدة.
إن الضغط الناتج عن هذه القذائف الفراغية لا يكتفي بهدم الجدران، بل يمتد ليدفن الأحياء تحت أعماق كبيرة من الحطام، مما يجعل مهمة انتشالهم مستحيلة في ظل نقص المعدات الثقيلة واستمرار التحليق المكثف للطائرات، لتتحول تلك المراكز من منارات للتعليم والإيواء إلى صروح من الركام تشهد على إبادة تجمعات بشرية كاملة دون سابق إنذار.
شهادات من قلب الأنقاض
تحت الركام في شمال وجنوب قطاع غزة، تروي صرخات العالقين حكايات تفوق الوصف عن اللحظات الأخيرة قبل تحول مركز الإيواء إلى مقبرة جماعية، حيث يصف الناجون مشهد الغبار الكثيف والظلام الدامس الذي يتبع الانفجار مباشرة، وصوت الأنين الذي يخفت تدريجيًا مع مرور الساعات دون وصول فرق الإنقاذ.
في مدرسة بمدينة غزة، تحولت الساحة التي كانت تضم خيامًا مؤقتة إلى حفرة عميقة ابتلعت عشرات العائلات، حيث لم يتبقَّ من تلك الخيام سوى قطع قماش ممزقة مختلطة بدماء الضحايا وذكرياتهم البسيطة.
هذه المشاهد المتكررة جعلت من كلمة “إيواء” مرادفاً للخطر الداهم، إذ يشعر النازحون أنهم يعيشون في انتظار دورهم في طابور الموت، خاصة وأن استهداف هذه المراكز يتم غالبًا في ساعات الليل المتأخرة أو الفجر، مما يحرم السكان من أي فرصة للهرب أو الاحتماء خلف ما تبقى من أساسات متهالكة.
عجز فرق الإنقاذ وتحديات انتشال الضحايا تحت القصف المتواصل
تواجه طواقم الدفاع المدني وفرق الإسعاف في غزة تحديات غير مسبوقة تجعل من جهودهم في انتشال الضحايا من تحت أنقاض مراكز الإيواء مهمة شبه مستحيلة، فبالإضافة إلى النقص الحاد في الوقود والآليات الثقيلة، تتعرض هذه الفرق للاستهداف المباشر أثناء محاولتها الوصول إلى الناجين.
إن تراكم الأنقاض في الشوارع الضيقة والمحيطة بمراكز النزوح يعيق حركة السيارات، مما يضطر المسعفين لاستخدام الأدوات اليدوية البسيطة لرفع أطنان من الأسمنت بحثًا عن بصيص أمل أو نبض حياة.
هذا العجز التقني والميداني يؤدي إلى بقاء المئات من الجثامين تحت الركام لأسابيع طويلة، مما يتسبب في كوارث بيئية وصحية، ويزيد من وجع الأهالي الذين يضطرون لدفن أحبائهم في قبور جماعية مؤقتة داخل ساحات المدارس أو حتى في الطرقات العامة، بعد أن تعذر عليهم الوصول إلى المقابر الرسمية.
المسؤولية الدولية وغياب الحماية لمراكز النزوح بغزة
على الرغم من رفع الأعلام الأممية فوق معظم مراكز الإيواء في قطاع غزة، إلا أن خريطة الدمار تثبت أن هذه الرموز لم تعد تشكل أي رادع أمام القذائف المدمرة، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه حماية المدنيين.
إن تحويل هذه المراكز إلى مقابر جماعية يعد خرقًا فاضحًا لاتفاقية جنيف الرابعة وكافة المواثيق التي تنص على ضرورة تحييد الأعيان المدنية عن العمليات العسكرية.
الصمت الدولي المطبق تجاه استهداف مراكز النزوح شجع على استمرار هذه السياسة الممنهجة التي تهدف إلى تفريغ الأرض ودفع السكان نحو التهجير القسري عبر تدمير سبل الحياة المتبقية.
وفي عام 2026، يبدو أن العالم قد اعتاد على صور الدمار في غزة، متناسياً أن تحت كل كتلة أسمنتية منهارة تكمن حكاية إنسان كان يحلم بالأمان، وأن استمرار هذا النهج يعني تحويل القطاع بأكمله إلى أثر بعد عين تحت وطأة القذائف التي لا تفرق بين طفل ونازح.
غزة تلملم جراحها وسط ركام لا ينتهي
تظل خريطة الدمار في غزة شاهدًا حيًا على مأساة القرن، حيث لا تزال الأنقاض تتزايد والقذائف تتساقط، محولةً أحلام العودة إلى كوابيس من الفقد والدمار وإن مراكز الإيواء التي كانت يومًا مكانًا للعلم أو الطبابة، أصبحت اليوم معالم بارزة في جغرافيا الموت الفلسطيني، لكن رغم كل هذا الركام، ما يزال الغزيون يتمسكون بما تبقى من تراب أرضهم، يرفعون الأنقاض بأيديهم العارية ليبنوا منها صموداً أسطورياً يتحدى آلة الفناء.

